الأحد 21 أبريل 2024 / 12-شوال-1445

وقالت لأخته قُصِّيه



 

وقالت لأخته قُصِّيه

 

 

استودعت البحر ولدها، إيمانا منها بأن أمواجه العاتية أرحم عليه من قلوب بعض البشر، ألقته في اليم وألقت معه قلبها، وعقلها، وروحها، ولم ترجع منها بشيء، حتى أضحى فؤادها فارغا .. لا عقل فيه، ولا وعي، ولا قدرة على نظر أو تصريف! ولولا عناية الله بأن ربط على قلبها، لأظهرت مكنونات نفسها ما كانت تخفيه .

ألقت أم موسى بطفلها في الماء حبا له وطمعا في حياته وبقائه، ولكن أين هو الآن؟ وماذا فعلت به الأمواج؟ وكيف يمر عليه الليل أو يتعاقب عليه النهار؟ لا بد أن يطمئن هذا القلب المكلوم وأن يستريح، ولن يكون ذلك قائما إلا إذا علمت الحواس الخمس عملها وتطمئن كل واحدة منها على موسى، لكن أنَّى لحواسها أن تبصر موسى وعسسُ فرعون على الأبواب ينتظرون هفوة منها أو زلة، خطأً غير مقصود !

إذا لا بد من إرسال تلك الحواس منفصلة عنها لتروى من ظمأ وتشفي من جرح، لن يكفيها حديث الناس، فالخبر ليس كالمعاينة، لم تطمئن أم موسى إلى أحد ولم ترسل عما أو خالا أو أخا، فجميعهم لا يشبعون بغيتها ولا يحملون لحواسها ما يهدئ روعها .

لم تتعب أم موسى كثيرا في البحث والتنقيب، فقالت لأخته قصيه! هي تعلم أنها المؤهلة الوحيدة من بين أهل الأرض لمخاطبة حواسها بدقة .

هي الأخت، وارثة الجينات الخلقية من الأم بلا منازع، هي الأخت التي تحمل من عاطفة الأم وصفاتها وشفقتها على إخوتها ما لا يحمله غيرها، هي الأخت التي أودع الله فيها من الملكات الفطرية ما يؤهلها للقيام وحدها دون غيرها بتلك المهمة العظيمة الشاقة .

ذهبت الأخت بحسها المرهف تقص أثره في حذر وخفية، وتتلمس خبره في الطرق والأسواق. فإذا بها تعرف أين ساقته القدرة التي ترعاه فتبصر به عن بعد، سمعتهم يتحدثون عن مرضعة، فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ؟

انتهت قصة أخت موسى وتبقى قصص كثير من الأخوات اللاتي هجرهن إخوانهن رغبا أو رهبا أو غفلة أو عادة. بقيت آلاف الأخوات اللاتي يدخل عليهن رمضان ولا يعرفن عن أحوال إخوتهن شيئا، إنه عقوق فج قبيح .

ستبقى الأخت حضنا دافئا عند الحزن، وفرحا صادقا عند السعادة، ودمعة لا تكذب عند الألم. ستبقى وارثة أمها ترعى من بعيد، وتتلمس الأخبار من كل فج عميق، أملا في الاطمئنان على أخيها ولو كان عنها غائبا أو مغيبا. ستبقى الأخت لا تعرف الغضب ولا الحقد ولا الحسد، ويرضيها كلمة حانية ولو كانت عابرة أو كاذبة .

ستبقى الأخت همزة الوصل التي أبقاها لك القدر لترى فيها الأم التي رحلت والحنان الذي فقدت .

ستبقى قائمة بدور أمها دون تعلم أو تدريب، هكذا قضت الفطرة الإنسانية .

ستبقى لا تحسن إخفاء مشاعرها عن أخيها، فهي منه وهو منها، وكيف تخفي شيئا على من أكلا معا وعاشا معا وناما معا وكبرا معا !.

إليك أختاه أنثر تلك الكلمات، ارتقاء لفضلك، واعترافا بتقصيري غير المتعمد في حقك، وإخبارا بنقصي، ولكن عذري أن قلبك أكبر، سماحا يا وراثة صفات أمي سماحا.

__________________________________

د. أحمد المحمدي.

 

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم