الأثنين 27 مايو 2024 / 19-ذو القعدة-1445

مع هاجر الأم .



مع هاجر الأم .
http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTRyMojXgyJQHPj3Xj5O4BonSfXf3bV2nkD-fQz9mQwFpF3cWoOJw
أ. محمود القلعاوي .

في صحراء مكة القاحلة .. حيث لا زرع ولا ماء .. ولا أنيس ولا رفيق .. تركها زوجها هي ووليدها.. ثم مضي في طريق عودته ، وترك لهم تمرًا وماءً .. هنا كانت بداية ظهور بطولة الأمومة ، وأمومة البطولة .. بطولة أخرجت لنا أبو العرب .. أخرجت لنا الابن البار بأبيه صاحب الكلمة المشهورة :- ( افعل ما تؤمر ) .. أخرجت لنا إسماعيل الغلام الحليم .. إسماعيل الذي تدفقت تحت قديمه ماء زمزم ثمرة من ثمرات التوكل وبركة له ولمن جاء بعده ممن سار على نهجه .. إسماعيل الابن البار بوالده في لحظة تعجز الجبال عن البر ( افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) ..

أمومتها تتحرك ..

ونفد الماء والزاد ، والأم لا تجد ما تروي به ظمأ طفلها ، وقد جفّ لبنها فلا تجد ما ترضعه .. فيتلوى الطفل جوعًا وعطشًا .. ماذا تفعل إن صغيرها كاد أن يموت من شدة الجوع .. إن صرخات صغيرها كطعنات خنجر في جسدها .. فتسرع صاعدة نازلة الصفا والمروة .. لتنظر أحدًا ينقذها هي وطفلها من الهلاك ، أو تجد بعض الطعام أو الشراب .. أي مشاعر تتحرك بداخلك الآن يا هاجر ؟! .. وبعد سبع مرات صعوداً ونزولاً حتى تمكن التعب منها .. وأوشك اليأس أن يسيطر عليها .. هنا يبعث الله عز وجل جبريل عليه السلام فيضرب الأرض بجناحه ؛ لِتَخْرُجَ عينُ ماءٍ بجانب الصغير ، فتهرول الأم نحوها وقلبها ينطلق بحمد الله على نعمته ، وجعلت تغرف من مائها ، وتحاول جاهدة إنقاذ فلذة كبدها، وتقول لعين الماء : زُمّي زُمّي، فسميت هذه العين زمزم .. ويقول الحبيب صلى الله عليه وسلم :- ( يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا ) رواه البخاري ..

الأب الغائب والأم العظيمة ..

وكانت :- ( إذن لن يضيعنا الله ) إشارة إلى أن المسؤلية صارت بيد هاجر .. وأن هاجر الأم هي التي ستتحمل المسئولية .. وأن عليها لعب دور الأب والأم على السواء .. كل هذا في بيئة ليست صالحة للحياة أصلاً .. وما ظهر لنا مشهد أو مشهدين ، مشهد يوم أن نفذ الماء وكان خروج ماء زمزم ، ومشهد يوم أن جاءت القبيلة تطلب الجوار ..

ولكن ماذا خلف الكواليس ؟! كم ليلة قضتها تعاني مع رضيعها ؟! كم احتاجت لمال ولم تجد ؟! .. كم احتاجت لونيس وأنيس ؟! .. تُري كيف مرت عليها الأيام والليالي ؟!

ألم يقولوا أن رب الأسرة إذا غائب لا يستقيم حال الأسرة ؟! :- .. أليس الأب هو الحامي للأسرة ؟! .. أليست مهمته أن يسد الحاجات المادية والمعنوية ؟! .. لقد قالوا كلام كثيراً عن خطورة بعد الأب عن الأسرة .. ولكنها كانت أقوي من كل هذا ، لقد أخرجت نموذجاً فريداً عجيباً لأم لعبت دور الأب والأم .. لقد قامت بدور ربان السفينة .. ومع هذا أخرجت لنا نموذجاً لإنسان سوي طائعاً لخالقه .. طائعاً لأبيه .. يلعب دوره .. منتجاً .. ليس معوجاً نفسياً ساخطاً على مجتمعه ..

لكم تعبت يا هاجر في مهمتك ؟! لكم كانت مهمتك شاقة ؟! .. حُق للتاريخ أن يحفظك .. حق لذكراك أن تحفظ لنا في القرآن والسنة والتاريخ .. حق لك أن تقدمي لنا أعظم الدروس في الأمومة .. الأمومة وأداء الدور حتى لو كانت الظروف قاسية بل حالكة الظلام .. حُق لك يا هاجر أن تكوني قدوة للأمهات .. قدوة في التربية .. في أداء المهمة .. نجحت وكان عونك هو ربك ..

حافظة للأمانة ..

وحين استأذنت قبائل جرهم هاجر في السكني في الرحاب التي حول زمزم وكان ذلك قبل بناء سيدنا إبراهيم للكعبة أذنت لهم هاجر .. ونري في أذنها أنها تدرك أن الطفل لا بد أن ينشأ في مجتمع يعايش ويتعايش .. يتعلم حكمة الكبير المجرب ، وعلم العليم ، وحلم الحليم ، وشجاعة الجسور .. كل هذا تعلمه ولكن مع كل هذا تدرك أن لزاماً أن تحافظ على الأمانة التي وضعت بين يديها .. لقد بذلت جهدها في أن تحافظ على صغيرها من انحراف المنحرفين .. لا شك أن الصغير رأي وسمع ما عليه بعض الشباب من سقطات ولكنها وقفت صلبة قوية أمام كل هذا .. وقفت لتورث ولدها ما ربيت عليه وما هو عليه أبوه .. ورثت الولد البر والطاعة والإخلاص .. ورثته كل هذا فكان نعم المعين له أن يمر بمراحل عمره دونما سقوط وما شابه .. فكانت هاجر حافظة لأمانتها حق الحفظ ..

افعل ما تؤمر ..

هذا ما قاله الابن البار لأبيه .. الابن الذي بُذل جهداً خارقاً في تربيته .. ولكن أتشعر معي بالكلمة ” يا أبت ” ؟! .. إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب ، ولكن في رضا ويقين ” يَا أَبَتِ ” في مودة وقربي ، فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده ، بل لا يفقده أدبَه ومودته مع أبيه

( افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) فهو يحسّ ما أحسه من قبل قلب أبيه ، يحس أن الرؤيا إشارة ، والإشارة أمر ، ولابد من تنفيذ الأمر دون تململ أو تردد بل إقبال وتسليم من غير حرج ..

ولكن أين هاجر ؟! :- لا شك أنه في حالة لا يعلمها إلا خالقها .. نعم هي راضخة راضية لأمر ربها .. لقد أطاعت زوجها وتركت صبيها دون أن تعترض ولو بكلمة واحدة .. رغم تمزق قلبها واحتراقه على فلذت كبدها وابن عمرها ..لم تعترض ولو بكلمة واحدة .. أي أم أنت يا هاجر ؟! .. بالطبع لا نشك في أمومتك ، فبداخلك أمومه تفوق أعظم الأمهات ولكن الإيمان أعلي وأجل .. ولا اعلم لم اذكرك هنا وأنت بين الصفا والمروة تبحثين عما يحفظ لك حياة ولدك .. نعم اذكرك حتى ادفع كل وساوس تقف أمامي في أمومتك .. رسالة لمن يشك في أمومتك .. ولكن طاعة ربها أعلي وأجل من طاعة أمومتها ..

ولكأني اذكر ما قاله أحد قادة حماس عندما سُأل :- ألا تحبون أولادكم ؟! .. ألا تجري عواطف الأبوة بعروقكم ؟! .. كيف تدفعونهم لعمليات استشهادية يفارقونكم بها ويموتون ؟! .. فكانت الإجابة ما أعمقها وما أروعها ؟! .. يا سيدي إن حبنا لهم يفوق كل حب ولأننا نحبهم نريدهم بجوارنا أبد الآبدين .. فاللقاء الذي لا فرق بعده في فردوس أعلي وهنا نلتقي يوم لا فراق بعده .. فمرحباً بشهادة يعقبها لقاء لا فراق ..

وما أجمل ما قالته يا إسماعيل :- ( افعل ما تؤمر ) ولم تقل :- ( افعل ما تريد ) :- لتبين لنا وتعلمنا أنك عبد لله وأن طاعتك لله .. وأن أباك ما فعل هذا إلا طاعة الله .. وهنا يعين الابن أباه على طاعته لخالقه .. افعل وستجدني صابراً .. أطع وستجدني مطيعاً .. وكله بمشيئة الخالق ، فالفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب منه .. أليس هذا كله جهد جهدته الأم في تربية ولدها ؟! .. أليست هذه نتيجة ما قدمت وثمرة ما زرعت ؟! ..

وهذه هاجر العملاقة :- إنها تقذف إبليس اللعين بالحجارة .. جاءها ليكلم أمومتها فردت عليه بإيمانها .. ولم تجد إلا الحجارة لتقذفها به لتكون لنا سنة أن نقذفه ونرجمه وهذا ما بيننا وبينه ..

وبعد كل هذه البركات والنفحات :- لم تقطع السكين ، بإرادة الله عز وجل ، عندها فداه الله عز وجل ، بكبش عظيم من الجنة ، أبيض الصوف ذي قرنين كبيرين .

غير عتبة بيتك ..

إنه الأب الحاني الذي يتفقد ولده :- وقد حُفظ لنا مشهدان لزوجتين تزوجهما ولده إسماعيل .. والأب ينصح ويقوّم ، ( غيِّر عتبة بابك ).. ( ثبِّت عتبة بابك ) ؛ وهنا تأتي من تخلف هاجر الحبيبة التقية الموصولة بربها :- ( نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ ) .. هو هو نفس رضا هاجر .. هي هي الصلة بالله .. قالت ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن حالها :-« وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ » ..

وجاءت الزوجة التي تجدد مثال هاجر ؛ صبراً ، وسماحة نفس ، ورضا ؛ وشظف الحياة يحيطها من كل جانب ، ويطل عليها من كل باب ، ويطالعها كل صباح ، وتكتحل به في كل مساء :- ( نحن بخير وسعة ) .

يقول الأستاذ رفاعي سرور في كتابه ( بيت الدعوة ) :- ( مع الحب يأتي الرضا ؛ فالزوجة عندما تكون راضية عن زوجها وعيشها فإن هذا الرضا يمثل في حماية البيت طاقة الدفاع الكاملة .. وإن كانت غير راضية فستخرب بيتها بيدها ؛ ولذلك نجد أن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما زار ابنه إسماعيل ووجده قد تزوج ؛ فسأل زوجته عن الحال والمعيشة فقالت الحال في ضيق ؛ فرأي إبراهيم أنها غير راضية فقال لها :- ” إذا جاء إسماعيل فأقرئيه مني السلام ، واطلبي منه أن يغيِّر عتبة بابه ” ؛ فلما جاء إسماعيل أخبرته بما حدث ؛ فقال لها :- ” أنت العتبة.. الحقي بأهلك ” ، وطلقها..

فنجد في هذا الحديث أن إبراهيم سمع قول الزوجة ؛ فأمر إسماعيل بأن يطلقها دون أن يتبين حالتها فعلا ؛ لأن المسألة لا تتعلق بحالة الزوجة الفعلية ؛ بل تتعلق بإحساسها بحالها ومعيشتها.. وقد كان هذا الإحساس وحده كافيا لأن يحكم إبراهيم الخليل عليه السلام بطلاقها ؛ إذ أنه لا أمان للمرأة التي لا تشعر باستقرارها وسعادتها مع زوجها في بيته ، كما أن إسماعيل لم يتردد في تنفيذ ما طلبه إبراهيم ؛ لأنه يعلم :- أن هذا هو الحق .. )

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم