الأحد 21 أبريل 2024 / 12-شوال-1445

لا تتوقف



 

عامر الخميسي

أثناء زيارتي للعاصمة هرجيسا إثر دعوة قدِّمت لي من إحدى الهيئات الإسلامية لزيارة خمسة وثلاثين مركزًا إسلاميًّا هناك، رأيتُ طائرة في الصحراء حوَّلها صاحبُها إلى مطعم بعد أن عجَز عن إصلاحها، فقد قام بجرِّها عدة كيلومترات من أرض المطار، ثم حوَّلها كما هي إلى مطعم ورأيت المئات يتقاطرون على ذلك المطعم، وهي في الأصل طائرة كما هي بإطاراتها وأجنحتها ومقاعدها، حينها تذكَّرت ما قاله ديل كارنيجي: “اصنَع من الليمون شرابًا حلوًا”؛ أي: استثمِر مشكلتك، وحوِّل خسائرك إلى أرباح، وتذكَّرت كتابًا قرأته قبلَ سنوات عنوانه “استمتِع بفشلك..”

ما أجمل أن تحوِّل المحنة إلى منحة، وأن تصنع النجاح في عمق الصحراء، وأن تزرَع السنابل في أرض جدب، وما أجمل فَهْم ذلك الشاعر لهذا المعنى وقوله:

لكَ الحمدُ إنَّ الرزايا عطاءُ

وإن المَصيبات بعض الكرَم

ومما يذكر في هذا الصدد أن الإمام القفال كان مشتغلًا بصناعة الأقفال، ثم إنه فكَّر في طلب العلم وهو في الأربعين من العمر، فذهب إلى أحد أشياخ مَرْو، وعرَّفه رغبتَه، فلقَّنه هذا الشيخُ أولَ جملة من كتاب المزني، وهي: (هذا كتابٌ اختصرتُه)، فرقى القفال سطح بيته، وكرَّر هذه الكلمات الثلاث ليحفظها: (هذا كتابٌ اختصرته.. هذا كتابٌ اختصرته.. هذا كتابٌ اختصرته)، كرَّرها من بعد العشاء إلى الفجر، ثم غلبته عيناه ونام، ولما استيقظ نسِيها!

فضاق صدره وعاد إلى شيخه وكاشفه بما جرى، فلم يزجره، بل أوصاه بما صار القفَّال به أحدَ أركان المذهب الشافعي، قال له: (لا يصدَّنَّك هذا عن الاشتغال، فإنك إذا لازمت الحفظ والاشتغال صار لك عادة)، فعاد من جديد ولم ييئَس إثر فشله ذاك في حفظ أول جملة، بل جدَّ ولازم الاشتغال حتى كان منه ما كان، فعاش ثمانين سنة: أربعين جاهلًا، وأربعين عالِمًا، وصار من أئمة الشافعية وإمام الدنيا في زمانه..

كلما سقطت قُمْ، وتعلم ألا تسقط مرة أخرى، وخُذْ دروسًا من سقوطك الأول وليس العيب أبدًا في سقوطك، بل العيب ألا تقف..

يحكى أن بيل غيتس الذي كان أغنى رجل في العالم فشل في دراسته الجامعية، فبدأ مشروعه التجاري ولم يستسلم لفشله الدراسي، ثم كان ما كان أنه أصبح في الـ 31 عامًا أصغر ملياردير عصامي في العالم،

ومن كلماته: “من الجيد الاحتفال بالنجاح، لكن الأهم هو استخلاص الدروس من الفشل”.

وهذا إبراهام لنكولن الرئيس الأمريكي المسلم الوحيد كان حياته عنوانًا للفشل فما دخل عملًا إلا فشل فيه وخسر، لكنه بعد محاولات فاز برئاسة أمريكا ومن أقواله: “إن قلقي الكبير ليس ما إذا كنت قد فشِلت أم لا، ولكن ما إذا كنت راضيًا عن فشلي”.

وقد ذكر بعض الكتاب أن فلاحًا من ولاية فلوريدا اشترى أرضًا، ووضع فيها كل أمواله، وآماله، فلما تملكها وصارت له، ذهب فرحًا ليراها، فأصابه الذهول مما رأى، وجد أرضًا قاحلة وما وجد فيها إلا أعشابًا تعشش فيها مئات من الحيَّات والثعابين، وكاد يُجن من هذا المنظر، وهذه الصدمة، ولكنه تمالك نفسه وطرأت له فكرة عجيبة، خطرت له، وهي أن يرُبِّي هذه الثعابين ويستفيد منها، ويستثمر فيها أيضًا، وهذا بالفعل ما حقَّقه، فنجح نجاحًا منقطع النظير، فاستخرَج السموم منها وباعها لمعامل الأدوية التي بدورها تحوِّلها إلى دواء نافع، وباع جلود الثعابين لتجار الأحذية بأعلى الأسعار، وأيضًا حفظ لحومها في علب لمحبي أكل لحوم الثعابين، وصارت مزرعته أول مزرعة في العالم أنُشئت لتربية الثعابين بدل قتلها، فقصده السياح من كل مكان لمشاهدة هذه المزرعة العجيبة”.

اجعل من تجاربك الفاشلة مسارًا جديدًا لنجاحك، لا تتوتر نفسيًّا، ولا تذهب نحو التأزم، ولا تجعل خيبة الأمل تسيطر عليك، وخطِّط من جديد، واحذَر الانهيار، بل تماسك وقفْ على رجليك، وتفاءل بمستقبل مشرق تحقِّق فيه طموحك..

من الآن انطلق وتعلَّم وثابر، فما الحياة إلا ضربات تتلقاها ثم تتعلم منها، ولو كان الفشل داعيًا للترك، لقدَّم نوح استقالته بعد سنة واحدة من مهمة الرسالة، لكنه مكث ألف سنة إلا خمسين عامًا، ويكفيك أن تعلم أن حياة الأنبياء كلها محاولات لهداية الناس ولم يقفوا أبدًا أو يستسلموا، بل يكفيك أن بعضهم يأتي يوم القيامة وحده، فلماذا نتوقف إذًا؟

من المشاهد التي هزتني هذا الأسبوع هو أني شاهدت مقابلة للبروفيسور (چون جود إناف John Goodenough)، فرأيت ما أذهلني من الطموح ومواصلة المسير، ولتعرف أن هذا البروفيسور أجبروه على ترك العمل بجامعة أوكسفورد عندما بلغ 65 سنة لوصوله سنَّ التقاعد، فهاجر إلى أمريكا للعمل بجامعة تكساس التي لا تلزم العلماء بسن للتقاعد، فواصل إبداعه وإنتاجه، عمره الآن 97 سنة تَم تتويجه قبل أشهر بجائزة نوبل للكيمياء لدوره في تطوير بطاريات الليثيوم بطريقة عبقرية، ليثبت للكل أن التقاعد وإنْ فُرض عليه فإنه لن يوقِفَ عطاءه ونبوغه وطموحه، وأن هناك فرصًا كثيرة بإمكانها أن تُفتح أمامك، وأن المُقعد هو من حكم على نفسه بلزوم بيته، وأن الإنسان في مراحل عمره المتقدمة قد ينجز ما لا ينجزه غيره، وأنه لا توقف ما دام هناك عرق ينبض بالحياة…

عندما كنتُ في السودان أحضِّر الماجستير، كان معنا في سكننا الطلابي أستاذ قارب السبعين يحضِّر الدكتوراه، وهو من العباقرة في الشعر واللغة، فكنا نتعجب ونحن شباب من علو همته وجلَده وصبره، وعكوفه على رسالته رغم متاعبه وأمراضه وضعف بصره، وقد سألته عن سر إصراره، فأبدى لي تواضعه وأخبرني عن أستاذة غربية أقامت دورة حضرها في صنعاء وقد قارب عمرها التسعين، وأنها ناقشت الدكتوراه بعد الثمانين، قال ذلك متعجبًا من طموحها ونشاطها وكأنها فتاة في العشرين، هذا وهي غير مسلمة فيما يبدو، فأين أبناء المسلمين الذين استسلموا للكسل والوهن، وتوقَّفوا عن إكمال مشاريعهم، بحجة تقدُّم السن أو المرض، أو زحمة الوقت أو الانشغال بالعمل؟

ليس للإبداع حدٌّ أو أمد إلا ببلوغ نهاية العمر وسقوط ورقة الحياة، وبإمكان الإنسان أن يتحرك ويعمل ويشتغل فيما ينفعه ويفيده، وألا ييئَس مِن مُضي عمره وسرعة انقضاء أيامه، فقد ينجز الشيخ شيئًا عجز عنه في شبابه، وقد يتوصل لنجاح كان يأمُل أن يحقِّقه في فُتوته، والزمن فرصٌ فكن حريصًا على اقتناص كل فرصة ما دام فيك عرقٌ ينبض، وقديمًا قال الشاعر العربي:

إذا هبَّت رياحَك فاغتنِمها

فإن لكل خافقةٍ سكونَا

لا تنظر إلى سنوات العمر إلا أنها مجرد أرقام فحسب، فالبكاء على الفائت تضييع للحاضر، والحزن على الماضي إهدار للمستقبل، وإن على الإنسان أن يضع قدميه على أرض حاضرة، وأن يخطِّط لخطوته التالية بكل تأنٍّ وثبات نحو المستقبل المشرق، أما ما مضى فلا يلتفت له إلا لأخذ العبر والدروس والاستفادة منه في صقل الشخصية، والحذر مما يفسد ويضيع ويدمر.

وليس العمر مقياسًا، فقد يبدع الكبير سنًّا أكثر منه شابًّا، واسمع لأبي الوفاء ابن عَقيل – أحد أبرز فقهاء الحنابلة – يُنشِد وهو في الثمانين من عمره:

ما شابَ عزمي ولا حزمي ولا خُلُقي

ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي

وإنَّما اعتاض شَعري غيرَ صِبغته

والشيبُ في الشعر غيرُ الشيب في الهِممِ

روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعلم البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا..

يحقِّق عمر رضي الله عنه حلمه بعد أكثر من عقد من الزمان، فيفرح ويستبشر، فيعمل تلك الوليمة ويدعو إليها الناس..

أرأيت أجمل من أن تكرم نفسك وتهنئها وتبارك لها نشوة الفرح؟

صدِّقني لن يفرح أحدٌ لنفسك كما تفرح لها أنت، ولن يبارك لها أحدٌ من أعماق قلبه كما تباشر ذلك أنت..

شدَّ على نفسك في المسير ولا تتوقف، فإذا كلَّت في المسير اضربْها بعصا العزم، وشدَّ عليها برباط الحزم، فإذا قاربت على الوصول ضاعف الجهد، فإنك حينها قد تحقق في السير أضعاف أضعاف النجاح، فإذا وصلت استبشر وارفَع راية النصر، وابدأ معها مشوارًا آخر.

لا تتوقف أبدا عن تحقيق حلمك حتى ولو لم يتبقَّ من عمرك إلا يوم واحد، خسارة أن تموت ولم تعمل شيئًا لأُمتك، أو تحقِّق حلمًا عزيزًا لنفسك، أثبِت للأيام أنك ماضٍ لبلوغ ما رسمت لنفسك من أهداف سامية، فإن حقَّقته فذاك منةٌ من الله عليك، وإن متَّ دونه تكون قد شفيتَ واشتفيت في المسير، والله الموعد..

أخبرني الدكتور عبدالسلام المجيدي أنه حضر حفلًا تكريميًّا في دولة غربية لحافظات للقرآن، كان من بينهن ست حافظات تجاوزن الستين من العمر، واليوم يفكر شاب في حفظه، ثم يحاصره الكسل والفتور بعد شهر، ويستسلم ويقول: قد فات زماني لو كان هناك توفيق لحفظتُه أيام الصبا، لا تستسلم للمحبطات حولك حتى وإن كثُرت، ولا تنشغل في زحمة الحياة عن مشروعك الخاص، ولا تصرفك عنه الصوارف حتى وإن عظُمت، بل لو رأيت القيامة تقوم وشاهدت أهوالها ازدَدْ عملًا وإنتاجًا ألم تقرأ الحديث: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليَغرسها”، فاغرِس فسائل مشاريعك، واعمَل على تنميتها وسقيها، واحذَر من التسويف والتأجيل، فإن العمر يمضي سريعًا وأنت على سفر، ولتكن هذه الفسائل فسائلَ خيرٍ لنفسك وأُمتك، ولتضع بصمات عبر مرورك من هذه الأرض لا تُمحى أبد الدهر.

يَمر الإنسان خلال عمره بمراحل كثيرة يحكم على نفسه في منتصف أكثرها بالفشل والخيبة، وتعثر مشاريعه الناجحة التي بدأها في سنوات شبابه، والحقيقة أنه لا زال هناك وقت للإنجاز ما دمت تعيش تحت قرص الشمس.

ومما يقوِّي العزيمة وينشطك للسير وعدم التوقف، ما تقرأه في سِيَر العظماء الذين أصابتهم الفواقر، فلم يعبؤوا بها، ولم تُثنهم عن سيرهم، فقد جاء في سيرة الفقيه الحنبلي عبدالقادر بن بدران أنه كتب في ختام ديوانه “تسلية اللبيب عن ذكرى الحبيب:

“هذا آخرُ ما أَتْممتُ نظمه في المستشفى، وكتبته بيدي اليسرى، والحمد لله على كل حال”.

وكان قد أُصيب بالفالج أواخر حياته – رحمه الله – وشُلَّ شقُّه الأيمن، ولم يتوقف عن التعلم والتعليم في كل أحواله، أما من إذا أصابه طائف همٍّ ناح وأنَّ وتوقَّف، فلا يفلح غالبًا، ولا يصل إلى مراد، ولا يحقق مقصوده.

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم