الثلاثاء 25 يونيو 2024 / 19-ذو الحجة-1445

كيف نسترد مكانتنا الضائعة ومنزلتنا المسلوبة ؟



كيف نسترد مكانتنا الضائعة ومنزلتنا المسلوبة ؟ 

https://encrypted-tbn2.google.com/images?q=tbn:ANd9GcQ5qLha5RQ1q3H-WcPTRcXshUHGxj7wXBEyTYPXy9n7CLqmJZvOfbWjAWBI

أ.عبد الرحمن هاشم . 
في نفوس المسلمين وقلوبهم تقدير كبير لذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تحل بهم في شهر ربيع الأول من كل عام ، لكن يبقى أن يمتد هذا التقدير إلى عقولهم فيستبصروا ماضيهم المشرق المعطاء ، وواقعهم الأليم المخذول ، وأملهم في مستقبل له سمات الماضي ونهضته .  
والواقع الأليم لا يمنع الأمل والطموح ، ولكن الأمل والطموح في حاجة إلى العمل بعد الإيمان ، والعمل في حاجة إلى الاسترشاد بالشريعة التي أنزلها الله على صاحب الذكرى العطرة لإسعاد البشر أجمعين .. ولعل السؤال الذي يجب أن تترجم إجابته إلى عمل وجهد فعال هو كيف تسترد الأمة مكانتها بين الدول وكيف تعود لها المهابة بين الناس ؟ 
الاعتصام بحبل الله 
يقول فضيلة الشيخ فوزي الزفزاف عضو مجمع البحوث الإسلامية لقد كانت الوحدة الإسلامية حقيقة واقعة أيام ازدهار الخلافة الإسلامية في المدينة ودمشق وفي العصر الذهبي لبغداد .. وكان المسلمون ينضوون تحت لوائها عارفين أنهم مهما تفرقت بهم البلاد ، وتعددت أسماء الأقاليم فإن راية الوحدة الإسلامية تجمعهم .. يتنقلون بين البلاد شرقا وغربا دون أن يسأل القادم عن موطنه ؟ إن موطنه هو الإسلام الذي يقول فيه القائل : 
أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم 
عرف أعداء الإسلام هذه الحقيقة فعمدوا إلى تمزيق أمة الإسلام الواحدة إلى أمم شتى وأقاليم منفصلة ، ورسموا بتخطيط محكم ، وذكاء شديد سياسات طويلة المدى لشغل كل أقليم بذاته ، وفرض حصار قوى عليه ليعيش في هموم قضاياه ومشاكله التي يدبرونها ويصنعونها له باقتدار ، وعملوا على غرس مبادىء ومفاهيم الوطنية والجنسية والقومية للإقليم الواحد لتأكيد عزلته وفرض الغربة عليه . 
ومفاد ذلك أن على المسلمين اليوم للخروج من حالة الضعف والهوان التي يعانونها ، ولإحداث تغيير في وضعهم الذي هم فيه في المجتمع الدولى .. كي يستردوا مكانتهم الضائعة ، ومنزلتهم المسلوبة في حاجة ملحة إلى الوحدة والترابط ، يقول الله تعالى : ” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ” ( آل عمران : 103 ) 
أمة واحدة ورب واحد 
فقد أمر الله المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يكونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله ، وبتعاليم دينه وأحكامه ، في وحدة مترابطة تجمعهم ، لأن الوحدة سبب قوتهم وغلبتهم وعزتهم ونصرهم .. ونهاهم عن التمزق والفرقة والتفكك ، 
ففي ذلك سبب ضعفهم وقهرهم وذلتهم .. وذكرتهم الآية الكريمة بنعمة الله عليهم أن هداهم إلى الإسلام الذي وحد شملهم وجمع كلمتهم وقوى جانبهم ، فأصبحوا إخوانا متحابين بعد أن كانوا في الجاهلية أعداء متناحرين يضرب بعضهم رقاب بعض . 
وسنة الله في خلقه التي لا تتخلف أبدا اقتضت أنه سبحانه لا يغير ما بقوم من فرقة وشتات إلى وحدة وقوة ، ومن عسر إلى يسر ، ومن ذل إلى عزة ، ومن هزيمة إلى نصر ، ومن نقمة إلى نعمة ، ومن ضيق إلى فرج .. إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من معصية إلى طاعة ، ومن فساد إلى صلاح ، ومن ظلم إلى عدل ، ومن استبداد وجور وطغيان إلى حرية وسماحة وتعاون . 
ويقول الدكتور عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية : يجب أن نتذكر نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وأن يكون ماثلا في وجداننا في كل يوم وعلى امتداد العام .. والاحتفال بنبينا يفرض علينا أن نعيش سيرته وأن نتدبر صفحاتها كي تتحقق لنا القوة والمنعة التي ظلت ترافقنا قرون وقرون . 
السنة منهاج حياة 
وعندما يعيش المسلمون مع أحداث السيرة النبوية وينفعلون بها ، عليهم أن يتذكروا أن سيرة هذا النبي قدمت لنا كنزا لا ينضب معينه اسمه ( السنة النبوية ) أي طريقة الحياة .. فالسنة هي الطريقة .. وهي المنهج .. وهي العلاج الواقعي الحي لكل ظروف الفرد والمجتمع وأحوال الحياة .. ولا مجال للفصل بين سيرته وسنته ،  
كما لا مجال للفصل بين أشكال السنة المختلفة المتكاملة ، سواء كانت قولا أم فعلا أم تقريرا .. فالمهم أن تكون هذه التطبيقات في حدود الشريعة .. ومن منبع العقيدة .. وأن تكونا معا – العقيدة والشريعة – من نص القرآن ومن روح القرآن وفقه القرآن .. ومن حياة الرسول الواقعية المستوحاة – بل والمأخوذة والمقتبسة – من القرآن. 
لقد كان النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم هو التطبيق الواقعي البشري الحي للقرآن ، حتى يؤمن الناس أن هذا القرآن ليس نظريات وأفكارا مثالية لا تصلح لدنيا الناس .. وإنما هو المنهاجية الربانية الواقعية التي تنزلت على محمد الإنسان .. ليعيش بها الإنسان – كل إنسان – على خطى أعظم رسول وأعظم إنسان . 
خلقهم القرآن ، وعواطفهم من القرآن ، وبواعثهم محكومة بالقرآن ، وآلياتهم ووسائلهم وأهدافهم وغاياتهم دائرة – بإحكام – في فلك القرآن . 
الرسول والرسالة معاً 
ولئن كانت النحل والأديان التي سبقت الإسلام ، تحتفل بمولد القديس أو الرسول وحده ، مثلما يحتفل النصارى بعيد ميلاد المسيح ويؤرخون به ، دون مزج بين الرسول والرسالة أو الشخص والموضوع ، فإن المسلمين الأسلاف ، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قد فطنوا إلى ضرورة المزج بين الرسول والرسالة ودولة الإسلام . 
وكي نستعيد رحلة تكوين خير أمة أخرجت للناس لابد أن يتعانق الرسول والرسالة ، والذات والموضوع ، بحيث لا نؤثر الشكل على المضمون ، ولا أن نفرق بين الحب والاتباع ، ولا القول على العمل .. أي أن جهودنا يجب أن تركز وتتجه إلى تغيير الواقع بالقرآن والسيرة والسنة معا . 
إذا صغنا فكرنا على هذا الأساس حققنا للأمة النهضة الحضارية المنشودة ، ولأنفسنا ومجتمعاتنا الانسجام والحياة الكريمة الإنسانية الربانية . 
فالتاريخ يعلمنا أننا ما طلبنا العزة في غير الإسلام إلا أذلنا الله .. كما يعلمنا أن حضارتنا قامت على التآخي والتكامل بين الوحي والعقل والدين والعلم .. وإذا كان القرآن هو منهج حياتنا ، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام هو قائد حضارتنا ، وهو المطبق الأعظم للمنهج بسيرته التي قدمت لنا النموذج والقدوة النبوية للتطبيق والعمل في شتى المجالات . 
التربية .. التربية 
ويقول فضيلة الشيخ السيد عسكر عضو اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري : لقد أحب السلف الصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلوا عن عادات الجاهلية وعباداتها الباطلة وهنا يأتي دور التربية الإسلامية منذ الصغر فالذين يتركون أبناءهم وبناتهم حتى يكبروا وتمتلئ صدورهم بفكر غريب وثقافة زائفة وعادات سيئة وتقاليد بالية إنما يقتلون فيهم حب الدين والفطرة السوية ..  
وماذا ينفع مع أناس قد تشبعوا بكل غريب! إن تربيتهم على الكبر أمر صعب ، فإذا أردنا أن نربي جيلاً على حب النبي صلى الله عليه وسلم علينا أن نعرف مدى وجوب هذا الحب وثمرته . 
فحب الرسول صلى الله عليه وسلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ولا يتم الإيمان إلا به ، ولا بد أن تكون محبة الله ورسوله في قلب المؤمن أكثر من أي حب آخر حتى حبه لنفسه لقوله صلى الله عليه وسلم ” ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار” رواه البخاري . 
ولذلك قال تعالى ” قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم و أزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين” ( التوبة : 24 ) 
ونتيجة أو ثمرة هذا الحب الفلاح في الدنيا والآخرة ولأننا باتباعه وتطبيق شرعه نكون متلبسين بحبه والله يحب من يحبه ولذلك قال الله في سورة آل عمران ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ” آل عمران : 31 . 
و الآليات التنفيذية أو مستلزمات اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هي كما وردت في القرآن الكريم ” الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليه الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ” الأعراف : 157 . 
أما البعد عن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن زعمنا أننا نحبه يكون نتيجته الدمار والانحراف والتعاسة والشقاق على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة .. جاء ذلك في قوله تعالى : ” ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ” الأحزاب : 36 . 
ومن مستلزمات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن نجعله قدوة للجميع ، للكبير والصغير ، للرجل والمرأة ، للحاكم والقاضي ، للقائد والشيخ والمربي .. يقول الله تعالى ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ” الأحزاب : 21 . 
تصميم وتطوير شركة  فن المسلم