الأحد 21 يوليو 2024 / 15-محرم-1446

قبل أن تتجاوز البشرية مرحلة القراءة !



قبل أن تتجاوز البشرية مرحلة القراءة !

http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTiKzpuoFGXZZuQ3FxDpVh6TiB5kDf8UfAxcEX7AOAJViwJz48Q
أ. عبد الرحمن هاشم.

لماذا تنصرف الأجيال الجديدة عن القراءة، على الرغم من كل ما تنفقه الدول على مشاريع نشر عادة القراءة بين مختلف فئات العمر؟

ومتى بدأ التشاؤم حول مستقبل هذه العادة التي تعتبر المطلب الأساسي لتدعيم الكيان البشري وعلامة التقدم والرقي؟!

وهل يعود المجتمع البشري إلى الماضي الذي كانت تسيطر عليه الثقافة الشفهية قبل اختراع الكتابة وتعلم القراءة ؟


في مقال رائع بعدد نوفمبر 2007 من مجلة العربي تحت عنوان ” هل نقول وداعاً لثقافة القراءة ؟ ” يقول الدكتور أحمد أبو زيد أستاذ علم المستقبليات: في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات في كل أنحاء العالم منادية بضرورة العمل على نشر عادة القراءة بين مختلف فئات العمر، كما تخصص الدول والمنظمات الدولية أموالا طائلة وتبذل جهودا جبارة لتحقيق ذلك الهدف،

ترتفع أصوات أخرى تحذر من تزايد انصراف الأجيال الجديدة عن القراءة مما قد ينذر بأن القراءة الحرة المطلوبة لذاتها ومن أجل المتعة الذهنية والروحية لن تكون إحدى السمات الأساسية المميزة لإنسان الغد وعالم المستقبل

وأن هناك ثقافة أخرى بديلة تتكون الآن وتعتمد على وسائل تكنولوجية أكثر حداثة في مجال الاتصال والحصول على المعلومات والمعرفة وتزحف بقوة طاردةً فعل القراءة إلى هامش النشاط اليومي بل وإلى هامش الحياة ككل.

 

ومع أننا لا نزال نقرأ ونكتب، فإن الكثيرين في الخارج يشكون في أن ثقافة القراءة لا تزال تؤلف سمة أساسية من سمات المجتمع المعاصر، وأن الكلمة المقروءة لا تزال تلعب في حياتنا وفي تشكيل تفكيرنا الدور نفسه الذي كانت تقوم به حتى عقود قليلة مضت، وحتى لو فرضنا أنها لا تزال تحتفظ ببعض ذلك التأثير في الوقت الحالي فليس هناك ما يضمن استمراره في المستقبل.

 

ومع ذلك فإن القراءة ـ على ما يقول دان سبربر ـ ظاهرة وجدت كي تستمر وتبقى بالرغم من الصعوبات التي تواجهها والشكوك التي تثور الآن حول مصيرها ومستقبلها في ظل المتغيرات الحديثة، واعتقاد الكثيرين أنها تكاد تصبح شيئاً من مخلفات الماضي!

 

والواقع ـ كما يوضح د. أبو زيد ـ أن اختراع الطباعة كان عاملاً أساسياً وفارقاً في قيام ثقافة القراءة كمنظومة متكاملة من السلوك والقيم، ووسيلة للمعرفة والتفكير والتواصل مع الآخرين.

 

بيد أن ثقافة القراءة تتطلب ـ كما تدل التسمية ذاتها ـ وجود جمهور أو مجتمع من القراء الذين يستوعبون ما يكتبه الآخرون وإلا كانت الكتابة نشاطاً لا جدوى منه ولا معنى له.

 

فالذي يبرر وجود نص مكتوب هو وجود قارئ يقرؤه ويتجاوب معه ، سلباً أو إيجاباً .. بل إن القراءة الصامتة التي يختلي فيها الشخص بنفسه مع الكتاب أو الصحيفة تعتبر علامة على مدى رقي ثقافة القراءة لأن هذه القراءة الصامتة تتيح الفرصة لمواجهة فكر الآخرين والتحاور معه.

 

فالقراءة عملية معقدة لا تقتصر على نشاط العينين في تتبع الحروف والكلمات المكتوبة أو المطبوعة، وإنما هي مجهود للفهم والتفسير والنقد وهو ما يبرر اعتبارها ثقافة متكاملة، ولا يشذ عن ذلك القراءة الحرة التي تطلب لذاتها من أجل المتعة الذهنية الخالصة.

وعلى أي حال فإن الكثيرين يرفضون فكرة أن الإنسانية تجاوزت مرحلة القراءة المألوفة لأن الكتب ـ على ما يقول جورج لاندو ـ لا تزال تملأ حياتنا زاخرة بكل أنواع المعرفة والفن والأدب كما أننا لا نزال نحرص على تشييد المكتبات العامة الضخمة ونفخر باقتناء الكتب وتكوين المكتبات الخاصة بنا كأفراد.

لكن المشاهد، في الوقت ذاته، أن كثيراً من المكتبات العامة تتجه نحو التخلص من آلاف النسخ من الكتب، والمجلات لتوفير مساحات كبيرة كانت تلك المجلدات تشغلها، وتتحول بدلاً من ذلك إلى وسائل الحفظ الرقمي كما أن ثقافة القراءة ذاتها آخذة في التحول إلى ( ثقافة الفضاء المعلوماتي ) حيث يمكن الحصول على المعرفة عن طريق الإنترنت بسرعة فائقة وكفاءة عالية..

وربما كان أحد أهم التحديات التي تواجه المرء في هذا الصدد توفير القدرات والمهارات اللازمة لتعلم أساليب الوصول إلى المعلومات، حتى يمكن الإفادة من ثمار عصر الإنترنت، مما يعني أنه لا تزال هناك علاقة وثيقة بين القدرة على الحصول على المعرفة عن طريق الإنترنت وتعلم القراءة، وبالتالي استمرار ثقافة القراءة مع تحديث وتوسيع مجالات استخدامها وليس القضاء عليها.

 

وجورج لاندو نفسه يعترف بأن الكثيرين ينفرون من قراءة المعلومات على الشاشة مباشرة ويفضلون طباعتها على الورق وقراءتها بالطريقة التقليدية مما قد يشير إلى احتمال استمرار ثقافة القراءة على الرغم مما قد تتعرض له من تعديلات وتحولات.


ولكن يبدو أن هذا ليس نهاية المطاف، إذ يشير الدكتور أحمد أبو زيد إلى أن هناك اتجاهاً قوياً للاعتراف بأن القراءة سوف ينظر إليها في المستقبل غير البعيد على أنها من مخلفات الماضي، وأن المستقبل سيكون هو عصر الكمبيوتر الناطق الذي يتولى تلاوة النص المكتوب وتقديمه منطوقاً للمستخدم، وبذلك يصبح هو الأداة الرئيسية للمعرفة،

 

وبدلا من أن يرهق الشخص عينيه في متابعة النص المكتوب على الشاشة سوف يقنع بالاستماع إليه منطوقاً، بل إنه سوف يصبح من السهل تحويل كل اللغات المكتوبة إلى لغات منطوقة، يمكن الاحتفاظ بها واسترجاعها والعودة إليها حينما نشاء، دون تحمل مشقة الاحتفاظ بالكتب والمراجع والمجلات والوثائق الضخمة، ودون تحميل العينين متاعب قراءة الكلمات المطبوعة سواء من الورق أو من شاشة الكمبيوتر كما هو الحال الآن.

وسوف يساعد هذا التطور على ازدياد القدرة على الاستيعاب، واتساع نطاق المعرفة وتنوعها ونشرها في المجتمعات المتخلفة وبين الطبقات الفقيرة التي تعجز عن تحمل نفقات تعلم القراءة والكتابة واقتناء المراجع الورقية.

 

وبذلك لن يكون الجهل بالقراءة وصمة عار في جبين الفرد والمجتمع ما دام ذلك الجهل بالقراءة لن يمنع من متابعة تيارات الفكر ونتاج العقول المتجدد من خلال الكمبيوتر الناطق.

لقد أصبح من الميسور الآن ـ وإن يكن في نطاق محدود سوف يتسع بغير شك في المستقبل ـ تحويل الكلام المنطوق إلى نص مكتوب عن طريق الإملاء مباشرة للكمبيوتر.

 

وقد تكون نسبة الأخطاء التي تحدث الآن من خلال الإملاء للكمبيوتر مرتفعة ولكن هذه النسبة سوف تتراجع بالمران وبذلك فسوف تكون العلاقة بين الإنسان والكمبيوتر أكثر سهولة ومرونة ودقة خاصة وأنه سيكون من السهل توجيه التعليمات للكمبيوتر شفاهة دون الاحتياج للاستعانة بمفاتيح الكمبيوتر أو ( الفارة ) في تصحيح النص مثلاً أو تنسيقه،


إذ سوف يكفي توجيه الأوامر والتعليمات شفاهة فيستجيب الكمبيوتر في الحال وبذلك سوف يمكن الاستغناء تماماً عن تعلم القراءة مما يبشر بظهور ثقافة جديدة تعتمد على المشافهة بدلا من ثقافة القراءة التي تميز مرحلة الحضارة الإنسانية المعاصرة.

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم