الأثنين 22 يوليو 2024 / 16-محرم-1446

في ذكرى اليوم الوطني السعودي 93



د.خالد الحليبي

تمر ذكرى الوطن لتوقظ في ذاكرة الجزيرة العربية قبل أكثر من قرن صورة أديم متمزق، ودماءٍ بريئة تخط على رمالها قصص الظلم وقَطْعَ الطريق وتزعزع الحياة، وفجأة يظهر عليها فارس شاب، يحتضن سيف العزة ورمح العزيمة، مدرعا بأنوار الشريعة، فإذا بالإهاب الممزق يلين له بعد شدة، ويرق لإبرته الصبور، فيخيطه بجلد وطموح يهزأ بالعوائق، فيلتقي البحران، ويجتمع الشمل، وترفرف راية التوحيد، على يد الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ ويقام حكمُ الله على جزيرة الإسلام باسم: الممكلة العربية السعودية؛ اسمٍ حفرته على جبين التاريخ أيدٍ رفعت كتاب الله وسنة رسوله شرعة ومنهاجا؛ ويستقر الإنسان؛ فيُعطَي ويعطي؛ لتنمو الحضارة نموا مذهلا، تتخطى كثيرا من المراحل التي مر بها آخرون.
الأمن واجتماع الكلمة هو المكتسب الأول والأهم من مكتسبات الوطن، والحفاظ عليه يجب أن تكون الأولية بالنسبة لكل مواطن ومقيم ينعم بخيرات الوطن، نعيش ذلك ونربي عليه أولادنا، ولا نسمح لأحد أن يخترقه. ومن أمن الداخل إلى أمن الأمة كلها انبثقت اهتمامات ملوك هذه الأرض المباركة، فلا تكاد تُعرف قضية إسلامية أو عربية إلا كان للملكة الدور الأهم في عودة الاستقرار إليها، أو السعي في سبيل ذلك.
وفي هذه الفترة التي تمر بها الأمة الإسلامية، والعدو المتربص يحدق بها من كل جانب، ويتحين الفرص للطعن في معتقدها، وتفتيت بنيتها الأساس، وتشتيت شملها، كل ذلك يتطلب من المجتمع المسلم تماسكا لا يتحمل الخلل، وقوة في البناء لا تتحمل الضعف، وترابطا بين الحاكم والمحكوم لا يقبل اهتزاز الثقة، ولا القعود عن المشاركة في تدعيم الأمن ونشر أجنحته الظليلة الوارفة.
إن الأمن هو النعمة الكبرى التي امتن الله بها على عباده فقال عز وجل: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [سورة القصص 57]. ونحن في هذه البلاد قد امتن الله علينا بهذه الجوهرة الثمينة، والنعمة العظيمة، فأمِنَّا حين خاف الناس، وشبعنا حين جاع الناس، وسكنَّا حين شُرِّدَ الناس، وشرفنا بالوقوف ـ بقدر استطاعتنا ـ مع إخواننا في جميع أنحاء المعمورة في كل عادية مرت عليهم، أَوَ يكونُ جزاءُ إحسان الله إلينا إلا الإحسان، والشكر الجزيل على هذه النعمة الكبرى شكرا عمليا وقوليا؟
إن التفريط في هذا الأمن، وزعزعتَه في هذه البقعة المباركة التي تعد معقل الإسلام الأول، ومأرزه الأخير، لهو عدوان على الإسلام والمسلمين في كل أنحاء الأرض، مهما كانت نياتُ من يُشارك ولو بكلمة في إشعال فتيل الفوضى والقلق الأمني.
إن الوحدة قوة، والفرقة عذاب، يقول الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [سورة الأنفال 8/46]، وغير خفي عن المسلم أنه لا يستقيم إيمانه، ولا يحظى بهذا الوسام العظيم والشرف الكبير بانتمائه إلى هذا الدين الحنيف بحق، إلا إذا حقق الطاعة المطلقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم طاعةَ ولاةِ الأمر في المعروف، ومعرفة حقوقهم، وتربية النشء على ذلك، فهو صمام الأمان والاستقرار، ومنطلق التنمية والتقدم والتطوير.
حبُّ الوطن فطرة إنسانية، ولا خير فيمن لا يحبُّ وطنه، ولا مروءة لمن يتنكر لفضله عليه. نظر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى مَكَّةَ، فقال: “إنَّكِ لَأحَبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولَا أنَّ قومِي أخْرَجونِي منكِ ما خرَجْتُ”.
إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، ووضع لبنات أسرته فيها، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، والآباء والأجداد، والتاريخ والأمجاد.
قال الغزالي: “والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص”.
وقال الحافظ الذهبي – وهو من العلماء المدقِّقين – مُعَدِّدًا طائفةً من محبوبات رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “وكان يحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أَبَاهَا، ويحبُّ أسامةَ، ويحب سبطَيْه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أُحُدٍ، ويحب وطنه”.
ونحن نحبُّ وطننا دينا واقتداء برسولنا صلى الله عليه وسلم، وفطرة سوية فُطرنا عليها. إنه الرحم التي تخلقنا فيها؛ ولذلك ننتمي إليه، بعد انتمائنا لعقيدتنا، كانتمائنا لأرومتنا، ولا يمكن أن يرحل عنا وإن رحلنا عنه.
الوطن هو الكيان الذي يشكل إطار حياتنا، وبدونه يصبح الإنسان بلا عنوان.
ومن يستشعر هذه المعاني فإنه لن يخون وطنه كما أنه لن يخون أمه.
ولن يقبل أن يعمل ضده كما أنه لا يمكن أن يحرق بيته.
ولن يفرط في انتمائه إليه، كما أنه لا يفرط في انتمائه إلى أسرته.
(الحب) معنى عظيم، وليس إلا هو جدير بأن يكون العروة الوثقى بين الوطن والمواطن.
حين يحب الوطنُ المواطن، فإنه سُيجري تحته أنهار العطاء، ويسكب في قلبه طُمأنينة الأمن والاستقرار، ويُسلمه شُعَل العلم والعمل، ولن يبخل عليه بموجود. وحين يحبُّ المواطنُ الوطنَ، فإنه سيحرص على سمعته كما يحرص على سمعة أسرته، ويحفظ مكتسباته كما يحفظ عينيه، ويذبُّ عنه كما يدافع عن عرضه.
المواطن الذين يعرف حجم قدر الوطن بالنسبة له، يعلم أنه لا توجد ثغرة في جدرانه مثل تفريطه في عمله، أو عدم القيام بأمانته في أدائه؛ لا فرق بين موظف حكومي أو في قطاع خاص أو خيري أو حتى في عمل شخصي جدا.
كل كلمة في حق الوطن تنبس بها شفةٌ اليوم لها أثر في الحاضر أو المستقبل، فلنكن بناة، غيورين على أوطاننا، لا نقبل ـ أبدا ـ أن تتحول كلماتنا إلى سلالم لصاحب نزوة أو متأبطٍ شرا؛ ليصل بها إلى مبتغاه.
كلما زرت في العوالم أرضًا
زاد حبي لموطني وتضاعف
ملأ الله من يديه حياتي
منذ أن كنت والدُّنا نتعارف
أهو الشوق؟أم تولُّهُ قلبٍ؟
أم أمانٌ كما السحابِ ترادف

لكِ مني الولاءُ يا خيرَ أرضٍ
وحَّد الدينُ شعبَها فتآلف
عشت يا موطن الكرامة مجدًا
طاول القمةَ الكؤودَ وشارف
———————————————-
بقلم د. خالد بن سعود الحليبي
المشرف العام على منصة المستشار الإليكترونية

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم