الثلاثاء 23 يوليو 2024 / 17-محرم-1446

فتياتنا بين أحلام النور وآلام النار .



 

 http://dc02.arabsh.com/i/00193/68lppqfxeck6.jpg

 

( رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير )[1]، هكذا كان الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم يأمر بمراعاة مشاعر المرأة ؛ لرِقَّتِها ، ولأن عاطِفَتها تَجيشُ بسرعة وتندفع بقوة ، فقد خَشِيَ عليها حُسن صوت أنجشةَ رضي الله عنه ، والقواريرُ من الزُّجاج يُسْرِع إِليها الكسر ولا تقبل الجَبْرَ ، والفتاة هكذا ، رقيقة المشاعر ، مرهفة الأحاسيس ، لا تتحمل الضغوطات الكبيرة ، ولا التعاملات القاسية ، تحتاج عناية وملاحظة خاصة ، حتى تكون ناجحة في حياتها، موزونة خطواتها، ليس للإحباط والانحراف إليها سبيل .

فتياتُنا في حاجةٍ لتوظيف همساتِنا ، ونظراتِنا ، ولمساتِنا، وكلماتِنا ، وقُبلاتِنا ، وابتساماتِنا ، وعناقِنا ، مع تهيئةِ أجواءِ الأسرةِ بالحبِّ ، والملاطفةِ ، والألفةِ الجماعيةِ ، والعلاقةِ الحميمةِ بين الأبوينِ من جهةٍ ، وبينهما معَ الأولادِ من جهةٍ أخرى ، مع تشجيعِهم على التعبيرِ عن مشاعرِهم ، واستقلاليةِ شخصيتِهم ، لرسمِ مسيرتِهم الواثقةِ ، وحفظ عاطفتِهم المتدفقةِ ، فذاك من أهم الحاجاتِ النفسيةِ التي يحتاجهونَها .

هذا الأمرُ يجبُ إشباعُه منذُ مرحلةِ الطفولةِ الأولى ؛ حيثُ مداعبةُ البنتِ ، وتقبيلُها ، وضمُّها ، وحملُها ، ثم تزدادُ هذه الجرعاتُ العاطفيةُ قبيلَ دخولِ المدرسةِ ؛ باستقبالِها ببشاشةٍ ، وصحبتِها لتأمينِ احتياجاتِها ، وامتداحِها عند أيِّ عملٍ إيجابيٍّ تقومُ به ، ثم تأتي مرحلةُ المراهقةِ ، فتتأكدُ الحاجة إلى الري العاطفي ، والأمن الأسري ، وخصوصاً أنها تتحرَّج من إظهار هذه العاطفة ، مع مسيس الحاجة إلى إظهارها وتأكيدها .

إنَّ أفراد الأسرة المشبعة عاطفياً ؛ أكثر أماناً وبعداً عن الانحراف الأخلاقي ، ممن حُرِموا الحب ، واستباحهم الفراغ العاطفي ؛ حيث انعدام الأمن ، وعدم الثقة بالنفس ، وأمراض أكثر خطورة كالقلق والانطواء ، والتوتر ، والاكتئاب ، والأخطر من ذلك أن يبحث عن هذا الرِّي خارج الأسرة ، وهنا الطامة الكبرى.

لقد أدرك هذه الثغرة من آثر الدنيا على الآخرة وغضب الله على مرضاته ؛ فهو أسير الشيطان ، يُعاني من أزمات إيمانية ، ونفسية ، واجتماعية ، وتربوية ، قد أهلكته شهوته، وغلبت عليه شقوته ، وقَعَدَتْ به هِمَّتَه ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )[2] ،

لقد أدرك هؤلاء هذه الحـاجة لدى فتياتنا فَجَنَّدوا أنفسهم لمهمَّة ( قَذِرة ) ، هي اصطياد العفيفات الشريفات ، بِنَفَسٍ طويل ، إذا لم تُفْلِح الخطوة الأولى، ففي الثانية ، أو الخامسة ، أو العاشرة، أو ربما المائة ، وإذا لم يكن في اليوم الأول ، فلا يمنع أن يكون ذلك في اليوم الثاني ، أو العاشر ، أو الشهر الأول ، أو الخامس ، لا مشكلة ، فالقائمة كبيرة ، فمن لم تقع اليوم في حبائله، ستقع غداً ؛ يَحشُد كل وسيلة للتأثير عليها بمعسول الكلام ، مدحاً وثناءً ، يتلاعب بعاطفتها ، يُشعرها بأهميتها ، يستمع لهمومها ، يمتدح مهاراتها وجمالها .

فإذا استحكمت هذه الخطوة، انتقل هذا الذئب البشري إلى الخطوة التالية، وهي تسوُّل نظرة عابرة إلى وجهها، أو صورة مُعَبِّرة لها، كيف لا ! فهو المُحِب الهيمان ، والعاشق الولهان . ثم تكون المرحلة الثالثة وهي خروج عابر ، ينتعشُ بمفردات من الحب والغزل ، واللمس والتقبيل ، لتَنْتَهِي هذه المسرحية بعرض مستباح ، وخوف وهموم ليس بعد ليلها صباح! .

فالعلاقات العاطفية الخاطئة ( المعاكسة ) علاقة تتجاوز إشاراتها التحذيرية ، فتعلو حرارتها ، حتى تتجاوز الخطوط الحمراء التي ينبغي أن تقف عندها ، فتتحول إلى عاطفة خاطئة منحرفة .

إن المعاكسة باب كل شرَّ، تبدأ الخطوة الأولى، بمعسول الكلام، والمديح المُتْقن، والتنفيس عمَّا يعتلج في الصدور، والإغراء بالزواج، حتى إذا استحكمت الأمور، وظفر الذئب بحاجته، رمى الضحيَّة غيرُ مبالٍ في أي وادٍ هَلَكَتْ، بعد أن سَلَبَ منها أعز ما تملك، وذهب يبحث عن فريسة أخرى. . والنتيجة؛ خسارة الفتاة لنفسها، كقارورة انكسرت فانطفئ بريقها وجمالها، ثم تشويه لسمعتها، وربَّما، كما هو حال كثيرات، حمل من سفاح، ابن زنى، فضلاً عن غضب الله ومقته، وشديد عذابه.

ونقص العاطفة ليستْ مسوغاً للبحث عنها هنا وهناك بأي خطوات مستعجلة في الزوايا المظلمة، وليست أيضاً عِلَّة مقبولة للهروب من البناء الأسري إلى لُجَّة الضياع، وليست سبباً لارتياد ساحات هتك الفضيلة والشرف ( الشات ونحوه ) ، فالفتاة متى اتخذت (المعاكسة) جسراً للهروب من مشكلاتها ، وإرواءً لعاطفتها ، وتنفيسهاً لهمومها ، فقد أسرعت إلى ( وأد إيمانها وسعادتها وعفَّتها واستقرارها ) .

أدركُ حاجتَكِ بُنَيَّتي للكلمة الطيبة ، واللمسة الحانية ، والنظرة المُعَبِّرة ، والثقة المتبادلة ، والحوار الأسري الناجح ، إلا أنَّكِ لابد أن تقفي مع نفسكِ وقفة صدق وتجرُّد ، لتدركي أن علاجاً سريعاً لحالتك غير ممكن ، وأن التقرُّب ممن بيده خزائن السموات والأرض ، مع الصبر ، والخطوات الإيجابية يجب أن تكون مجاديفَك في رحلتك إلى عالم الاستقرار والسعادة ، وأنه يجب أن تَتَعَرَّفي على أسباب ما أنتِ فيه لتعالجيها بهدوء وثقة وعزم ، ولتفتحي أبواب الأمل مشرعة لعلاقات حانية مع والديك وإخوتك ، بعد أن تأخذي زاداً من المفردات الحسنة ، والأريحية المناسبة ، والتواصل الفعَّال .

فإن كُنْتِ قد تَلَبَّستِ بعلاقة مع أحدهم، سواءً أكانت هذه العلاقة في مهدها، أم غير ذلك، أو رأيتِ معاكسة من أحد الذئاب، اعتبري بمن سبقك، ولا تكوني أنت عبرة لمن سيأتي بعدك، فإن المغبون من كان عبرة لغيره، لذا أوصيكِ بالتالي:

1- إذا لم تخافي الله، جبار السموات والأرض، من أنعمَ عليكِ بنعمة السمع والبصر والجمال، القادر على أن يسلبكِ كل نعمة، فاستحي من عباد الله، واخشي فضيحة تحرق أنفاسك، وتزلزل سُمعة أخواتِك وأسرتك، فإن لم يكن ذلك فارعي أبوين كبيرين ربَّياك، وبذلا مهجهما سهراً ونَصَبا لتسعدي، إنَّك تعبثين بشرفك وعرضك، تعبثين بما لا تعادله كنوز الأرض كِلِّها، في مقابل شهوة يسيرة، أو حلاوة مؤقَّتة. إنِّي أذكِّرُكِ بجبَّار السموات والأرض، فإنه يغار أن تؤتى محارمه، وإنِّي لأخشى أن ينتقم منكِ انتقام عزيز مقتدر.

اسمعي إلى هذا المعاكس ماذا يقول: ” ليس عندي أي استعداد للزواج من فتاة كنت أعاكسها؛ لأنني على يقين تام بأنها كما استجابت لي فقد سبق لها أن استجابت لغيري، وستستجيب لآخر، فضلاً عن أني أحتقر كل فتاة تسمح لنفسها بالمعاكسة، وأنا أكلمها في الهاتف لأحقق غرضي، ولكن في داخلي أنظر إليها بكل احتقار “.وهذا يقول لمن يعاكسها عندما عرضت عليه الزواج: ” أريدك عذراء العواطف وأنت لست كذلك، وكيف أثق بك وقد أخذت رقمك من الشارع “.وثالث يقول: ” إنها تكلمني وتضحك معي، وربما تخرج معي، وليس بيني وبينها أي رابط، فما الذي يضمن لي غداً ألا تكلم غيري وألا تخرج مع غيري “.

2- اقطعي علاقتك بهذا الشخص قطعاً تاماً، وبلا خوف أو تردد، لا تتصلي عليه، ولا تُجيبيه مهما كان، واعلمي أن أي تواصل بينكِ وبينه سيجلبُ لك سخط الله وعقابه، إنَّكِ لن تجني من ذلك إلا أن تخسري نفسك، وسمعتك، وإيمانك، واستقرارك، وإن كنتِ الآن تشعرين بشيء من حلاوة الكلمات، ودفء المشاعر واللقاءات. فما أكثر من كانت البداية رغبة في الزواج، والنهاية عرض قد استبيح، وحياة فقد كل معنى للحياة.

3- لا تستسلمي لأي ضغوط، ولا تعبئي بأي تهديد، ثقي بمن له الأمر من قبل ومن بعد، ثقي بمولاك وخالقك، ثقي بجبار السموات والأرض، ثقي برحمان الدنيا والآخرة، فإن هذا الشخص ضعيف مسكين، يكفيه أنه في حزب الشياطين، و ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا )[3] .

تأمَّلي هذا الحديث المبارك، فإنَّكِ إن حفظت نفسك ، حفظك الله ، يقول من لا ينطق عـن الهوى: ( احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام و رفعت الصحف )[4].

4- عليكِ هذه اللحظة؛ تغيير رقم جوالك ، بل ورقم هاتف المنزل، إن استطعت، واحذفي الإيميل الخاص بك، وامتنعي عن الدخول إلى المنتديات والمواقع السلبية وغرف الدردشة التي لا تعينك على الطاعة والمعروف، احذفي قنوات الفساد من طبق الاستقبال في منزلكم، واقطعي علاقتك بصديقات السوء. ارفعي هاتف المنزل من غرفتك الخاصة، واجعليه في مكان عام، ولا تحرصي على الرد بكل اتصال، وحين إجابتك لا تخضعي بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، واحذري الأسواق؛ وخصوصاً إذا لم يكن معك محرم بالغ حكيم . واحذري الفراغ فإنه عدو قاتل؛ فمن لم يشغل نفسه بالطاعة، شغلته بالمعصية، ولذا ليكن لك برنامج تُحَقِّقين فيه ذلك، ويزيدك قربى إلى الله .

5- إذا رأيتِ أن الأمور بدأت تخرج عن سيطرتك، فانظري إلى من تثقين فيه، من والديك أو أخوتك أو زوجك، وأطلعيه على ما أنتِ فيه، فإنه ومهما صدر منه، فهو أرحم ألف ألف مرَّة، من ذلك الذئب الذي يترصَّد لك، لا يرقب فيك ذمَّة ولا إيمانا. لا تخافي، لا تقولي أخشى ألا يفهموني، لا يُخوفكِ الشيطان بأوليائه، ( إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )[5] ،

فإنَّ خوفك هو سلاح هذا المجرم، أزيحي هذا الهم عن كاهلك، لتكسبي سعادة الدنيا والآخرة، وإن تَحَمَّلت في سبيلها شيء من ردود أفعال من حولك، فأنتِ الرابحة أخيراً، فقد اشتريتِ مرضاة الله، وربح البيع يا ابنة الكرام الشرفاء.

6- ليكن لك متابعة – إن رأيتِ ذلك – مع إحدى الجهات الاستشارية الموثوقة ، مثل الهاتف الاستشاري التابع لمركز التنمية الأسرية في محافظة الأحساء ، هاتف موحد : ( 920000900 ) ، وهاتف الاستشارات الأسرية التابع لمشـروع ابن باز الخيري ، رقم : ( 012297777 ) ، وهاتف مركز المودة للإصلاح الاجتماعي بجدة ، رقم : ( 026716655 ) ، وهناك العديد من المراكز في أنحاء مملكتنا الحبيبة وخارجها ، علماً أنها في الجملة تُعنى بالسرية التامة ، فلا تطلب اسماً ، وليس لديهم تسجيلاً للمكالمات ، ولا تكشف عن أرقام هواتف المتصلين .

7- وأولاً وأخيراً اركني إلى الغني القادر، الكريم القاهر، الرءوف العظيم ، أهريقي دموعك على مصلاك بين يديه، استغفريه وتوبي إليه، حافظي على الصلوات في أوقاتها، والسنن الرواتب، وعليكِ بأذكار الصباح والمساء، ثم الله الله بالدعاء، سلي الله أن يُحَصِّن فرجك، ويُطَهِّر قلبك، ويزيد إيمانك، ويخسأ شيطانك، ويفك رهانك، سليه أن يصرف عنك شر الأشرار، وكيد الفجار، وأن ييسر أمرك، ويرزقك الزوج الصالح الذي تقر عينك به، وأن يجعلك صالحة مصلحة، بارَّة تقيَّة نقيَّة.

————-

[1] : متفق عليه .
[2] : سورة النور : 19 .
[3] : سورة النساء : 76 .
[4] : حديث رقم : 7957 في صحيح الجامع .
[5] : سورة آل عمران : 175 .

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم