الأحد 21 أبريل 2024 / 12-شوال-1445

شبح الامتحانات الرهيب .



شبح الامتحانات الرهيب .
http://t3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRU12lGOmSLXnAV2mY9Lmm4KRYpqvPa2d5Sr_tAx3FN56icjux7
أ. عبد الرحمن هاشم . 

أصبح التعليم الجامعي الذي تربطه الدول المتقدمة بالحاجة إلى البحث العلمي في المقام الأول في حقيقة أمره امتداداً للمرحلة الثانوية , يعتمد على الكتاب المقرر و التلقين و الامتحان الذي يقيس الذاكرة بدلا من أن يقيس القدرة على الابتكار والبحث العلمي , وأصبح الامتحان لا العلم هدف كل طالب , والنجاح فيه بأية وسيلة بغية هذا الطالب . 

وبذلك اكتسب الامتحان عند أبنائنا و بناتنا , صفة الشبح الرهيب , والعدو المخيف , الذي تعلن له حالة الطوارئ في البيوت والمدارس والجامعات و يرتفع معه ضغط الآباء والأمهات و تتوتر له الأعصاب وتنشد , وعندما تظهر نتائجه , إذا بوجوه تبيض وأخرى تسود .  

وقد قال عنه أحد القادة العظماء : إن خوض معركة حربية أهون بكثير من سؤال واحد في لجنة امتحان , وقديما قيل : عند الامتحان يكرم المرء أو يهان !

شر لابد منه

—————–

لذلك يقدم الدكتور أحمد كشك العميد السابق لكلية دار العلوم جامعة القاهرة بعض خبراته

ونصائحه المفيدة في هذا الشأن فيقول:

نعم .. الامتحان شر لابد منه – كما يقولون – ومهما أجهد علماء التربية أنفسهم في البحث عن بديل له , في تقويم العملية التربوية , فإنهم لن يعثروا على البديل .

ذلك أن من ينادي بإلغاء الامتحانات , ينسى عامل الترغيب و الترهيب في طبيعة البشر , وعامل الثواب والعقاب في منهج الأديان السماوية , وأن من يزرع يحصد , وأن من يزرع الشوك لا يحصد به العنب – كما يقولون .

ولذلك فإنه لابد من عملية الامتحان غير أن طريقته والنظرة إليه , هما اللتان ينبغي أن يعدل منهما بعض الشيء فلا بد أن يفهم أن الامتحان ليس عملية تعجيز , وإنما هو تقويم للعملية التربوية كلها , يعدل منها , وتغير ملامحها على أساس نتائجه , ويجب أن يطلع كل طالب على ورقة امتحانه , وتشرح له أخطاؤه حتى يتجنبها , وإن كان ذلك يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين , وسط الأعداد الكبيرة من التلاميذ , وإرهاق المدرس بالدروس الكثيرة , في بعض مراحل التعليم .


فلسفة الامتحان
——————-

ويوضح أن من الآفات التي تنخر كالسوس في عظام الامتحانات عندنا , أنها لا تقيس في كثير من الأحيان , سوى التحصيل عند الطلاب , ولا تتعدى ذلك إلى مرحلة البحث العلمي والابتكار , الذي تقوم على أساس هضم الكثير من المقروء , بعد استيعابه في المجال الواحد , مع اختلاف وجهات النظر فيه , ليعمل كل ذلك في عقل المتعلم ويخرج لنا بفكره الخالص , وحصيلة ما قرأ من خبرات الآخرين , شيئا من الابتكار والاجتهاد .

ولكن الطالب عندنا , لا يريد أن يحيد عن الببغاوية المطلقة , التي تتمثل في كم ضئيل من الصفحات , يحفظها عن ظهر قلب , ثم يضعها كما هي في ورقة الإجابة , بلا فهم في كثير من الاحيان , ما دام السؤال الامتحانى يتضمن عنوان الفصل الذي يحتوى على موضوع السؤال .

 

ويتطرق الدكتور أحمد كشك لبعض تجاربه العملية في هذا المجال فيقول: جربت ذات مرة مع طلبة الدراسات العليا , أن أضع لهم بعض الأسئلة التي تجمع نقطا مختلفة من فصول متعددة , في بعض الظواهر اللغوية مثل :

تكدس العلامات , وأصل الألف ، والسين والتاء في صيغة ( استفعل ) وقلت في نفسي : فلنجرب مرة أن نميز في الامتحانات بين طلبة الدراسات العليا , الذين نعلمهم طرق البحث العلمي , وطلاب الليسانس الذين يسعى معظمهم لتحصيل لقمة العيش , بعد أداء الامتحان بنجاح .

وكانت النتيجة أن أربعين طالبا من خمسين لم يتمكنوا من الإجابة ورسبوا , لأنهم لم يتعودوا على محاولة فهم ما يحفظون .

وفي بعض الأحيان يلخص الطالب هذا الفصل أو ذاك من فصول الكتاب في سطور قليلة , ربما لا تتجاوز الصفحة , ثم يحفظ هذا الملخص , ويبعد به الزمان , فلا يبقى في ذهنه بعد ذلك إلا ملخص الملخص , الذي يدخل به الامتحان , فيجيب إجابات لا تنفع ولا تشفع , في قليل أو كثير.

و لعلنا بعد ذلك لا نبالغ , إذا قلنا أن الطالب نفسه يتحمل جزءً من المشكلة !


 الإجابة فن..
 ————

ويصف د. كشك “الإجابة” عن أسئلة الامتحان بأنها فن لا يجيده أكثر الطلاب , فقد يكون المقصود بالسؤال نقطة محددة , ضمن موضوع كبير درسه الطالب , وعندئذ نجد أكثر الطلاب يأبى إلا الكتابة عن الموضوع بأكمله , ولا يسعفه الوقت المحدد للامتحان , فيمس عناصر الموضوع مسا خفيفا , وعندما يصل إلى النقطة المطلوبة في الأصل , يكون نصيبها سطرا أو سطرين , ويخرج الطالب من الامتحان , وقد سود الكثير من الصفحات وفي اعتقاده انه أجاب إجابة شاملة , وأظهر براعة في الإحاطة بجوانب الموضوع , وهو في الحقيقة مقصر , و مقصر إلى أقصى حد .

وبعض الطلاب عنده قدرة إنشائية خارقة , فهو يلوك عبارته , ويمضغها عدة مرات فترى الأفكار التي تحتويها ورقة إجابته , قليلة هزيلة غير أنه يظن أن المصحح يقيس إجابته بالشبر و الذراع , ولكن أمله يخيب حين تظهر النتيجة , ويرجع بخفي حنين .

وقد درج الطلاب الذين تربوا في أحضان هذا النظام الببغاوي القائم على التلقين والحفظ أن يثوروا على أي تغيير يقوم به أستاذ متفتح الذهن يريد أن ينهض بالتعليم ليصل به إلى مصاف التعليم في البلاد المتحضرة الراقية , وربما اتهم الأستاذ بأنه متعنت , يضطهد طلابه , ولا يريد لهم الخير !


الغش في الامتحانات
———————-

ويشير د. كشك إلى ما يمكن تسميته بظاهرة الغش في الإمتحانات فيقول: أما الغش في الامتحانات فحدث عنه ولا حرج , وقد وصل بعضه إلى أن يصبح غشا جماعيا… وكثيرا ما قرأنا في الصحف , عن جماعات البلطجية , في بعض مدارس القرى و النجوع , وهم يمسكون بالميكروفونات , ويملون على التلاميذ إجابات الأسئلة التي بين أيديهم .

وليست الجامعة بعيدة عن هذا الوباء الذي تفشى بين طلابها هنا وهناك وقد تفنن كثير من الطلاب في طرق الغش , التي عرفت بعضها وأنا اشغل الكثير من المواقع القيادية في الجامعة , فهذه طالبة تكتب مادة ( الدراما ) على ساقها , وثانية تربط ورقة الغش بحبل مطاطي في صدرها , وثالثة يكتب لها أبوها ملخصا للمادة , على أضلاع أقلام من الحبر الجاف , بآلة حادة لها سن رفيع , ورابعة تكتب على ورقة الكلينكس بعض الأشعار .

وأما المراقبون فقد تحير الناس في أمرهم , فهم إن كانوا من صغار المدرسين أو الأساتذة المساعدين , لم يسلم الأمر من محاباة بعض الطلاب واستغلال النفوذ , لبلوغ المآرب , أو الكيد للخصوم من الطلاب .

وإن كان هؤلاء المراقبون من موظفي الجامعة والكليات , تحولت رقابتهم للطلاب إلى نوع من مراقبة المسئولين , الذين يمرون على اللجان , فهم إن مر واحد من هؤلاء المسئولين , سارع المراقبون إلى تنبيه الطلاب بضرورة الالتزام بالهدوء إلى أن يبتعد هؤلاء المسئولون عن المكان !

ويخلص د. كشك إلى أن الشكوى من الامتحان , يعود بعضها إلى الطالب , الذي لم يفهم بعد الطريقة الصحيحة في المذاكرة أو الإجابة؛ تلك الطريقة التي إن اتبعها هذا الطالب , فسيقضى على كثير من الملامح الكئيبة لهذا الشبح الرهيب … شبح الامتحان .


 

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم