السبت 20 أبريل 2024 / 11-شوال-1445

دكتور شعيب: الضمير .. بوصلة الطفل للحكم على الأمور



المصدر : موقع رسالة الإسلام

الضمير.. نوع من الإدراك الباطني لدى الإنسان، يساعده على التمييز بين الصواب والخطأ، والحسن والقبيح، والمقبول والمرفوض، وهذا الإدراك يشكل لديه دوافع العمل والجهد والارتقاء والنضوج والسعي لبلوغ الأهداف النبيلة.

وهو طاقة كامنة تثير مشاعر عدم الرضا والارتياح، عندما يتعارض ما يقوم به الإنسان من تصرفات وسلوكيات مع قيمه الأخلاقية التي اكتسبها من قبل، وتثير لديه الرغبة والشوق لكل ما هو إيجابي وبناء، وهي تقود الإنسان نحو الكمال وتكشف له طريق السعادة.

لكن متى يبدأ تكون الضمير لدى الطفل؟ وكيف يقيس الوالدان نمو الضمير لديه؟ ولماذا يحضر الضمير عند بعض الأبناء في أحيان ويغيب في أخرى؟ وكيف نربي الضمير لدى أبنائنا؟ وهل تفيد القسوة في تنميته؟ وكيف يتعايش طفل نربي عنده الضمير مع مجتمع غابت عنه الضمائر؟.. هذه الأسئلة وغيرها حول تربية الضمير عند الطفل يجيب عنها الخبير التربوي د.حمدي شعيب في حواره الخاص مع موقع رسالة المرأة، فإلى نص الحوار:

الضمير والجهاز النفسي

متى يبدأ تكوّن الضمير لدى الطفل؟

في الفترة المبكرة من عمر الإنسان؛ والتي تمتد من (2-5) سنوات يبدأ ظهور الضمير أو ما يطلق عليه في علم النفس “الأنا الأعلى”.

ومن المعلوم أن الجهاز النفسي الإنساني له ثلاثة مكونات:

1- الهُوَ: ويقصد به الذات الدنيا أو النفس الأمارة بالسوء، وتمثل كل ما هو موروث وما جبلت عليه الفطرة البشرية من الميول والغرائز.

2- الأنا الأعلى: أو ما نسميه النفس اللوامة أو الضمير، وهو الوازع الداخلي والقوة الراشدة التي تحسن الحسن وتقبح القبيح، ويمثل كل المدخلات والتأثيرات الخارجية بالنسبة للنفس، ويبدأ في التكون مبكراً في مرحلة الطفولة وبين الثانية والثالثة من العمر، وينمو خلال فترة اعتماد الإنسان على الآخرين.

3- الأنا: وهي تمثل الواقع الحقيقي للنفس، وهي القوة التي تحاول التوفيق بين تأثير العالم الخارجي وتأثير العالم الداخلي في نفس الإنسان، وتوازن في وقت واحد هذا الصراع أو التنازع القائم بين الإباحية وتمثلها الهو والقيم وتمثلها الأنا الأعلى.

وهذا التوازن هو الذي يحدث توافقا بين القوى المتنازعة داخل النفس حتى تتحقق الصحة النفسية أو الاستقرار الداخلي أو السلام الداخلي، وذلك لأن ظهور أي قوة بصورة منفردة على المسرح الداخلي في النفس تؤدي إلى اختلال بالميزان النفسي وظهور الأعراض المرضية.

غياب الضمير

ماذا يحدث لو لم يهتم الوالدان بتربية الضمير لدى الأبناء؟

كما علمنا أن الضمير أو الأنا الأعلى هو الوازع الداخلي الذي يمثله الإدراك الصحيح للحكم على صحة وحقيقة الأشخاص والأحداث وكل الأمور والقضايا، إذن هو البوصلة التي تحدد للشخص اتجاهه وحقيقة واقعه الداخلي والخارجي، فإذا انعدمت هذه البوصلة، كان كالريشة في مهب الرياح أو كالسفينة بلا شراع أو دفة، فتتقاذفها الأمواج والأعاصير.

وكذلك الشخص الذي ينعدم ضميره، يكون كاللعبة في أيدي شياطين الإنس والجن، فيصبح }كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا{. (الأنعام:71)، إنه ذلك المخلوق التعِس الحيران بين الاستهواء والدعاء، بين جذب الشياطين له، وهم يستهوونه ويستغوونه، ليهووا به إلى الضلال، وبين رفقة الخير وهم يدعونه إلى الهدى.

كيف يقيس الوالدان نمو الضمير لدى الطفل؟

يقاس بدرجة قدرته وقيمة إدراكه لواقع وحقيقة الأشخاص والأحداث والقضايا، فيفرق بين الحق فيتبعه وبين الباطل فيجتنبه، لذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا الدعاء: “اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه”.

هل للضمير علاقة بالمشكلات السلوكية مثل الكذب والسرقة وغيرها؟

إذا غابت هذه البوصلة وهذه القدرة الإدراكية لصحة وحقيقة الأشخاص والأحداث والقضايا، وعاقبه كسر الضوابط الحاكمة لعلاقته بها؛ فإنما يدعوه ليكذب ويسرق ويفعل كل ما هو شر ورذيلة وإباحي، وذلك لانتصار الهو عنده وتضخمه على حساب الأنا الأعلى أو الضمير.

لماذا يحضر الضمير عند بعض الأبناء في أحيان ويغيب في أحيان أخرى؟

هذا يكون مرجعه لاستهانته بعاقبة كسر ضوابط العلاقة التي تربطه بما يحيط به، واستهانته بجزاء من يحافظ عليها، أو تهاونه فيمن يتابع ضوابط الثواب والعقاب، أو ما نسميه بغياب قوانين المراقبة والمحاسبة داخله وخارجه فيما حوله.

خطوات عملية

كيف نربي الضمير لدى أبنائنا؟

أولاً: التعرف على العوامل التي تؤسس الأنا الأعلى في نفس الطفل، وهي:

1 الوالدان وما يمثلانه من سلطة.

2- الدين وما يمثله من سلطان وضوابط وقيم.

3- القيم والعادات والأعراف.

4- الحكومة وما تضعه من أحكام وضوابط حاكمة ورادعة.

5- القدوات، وكل من يمثل المثل الأعلى مثل الشخصيات المجتمعية البارزة.

ثانياً: معرفة الدور التربوي لصناعة الضمير في حياة الأبناء:

ومن أبرز المهام الوالدية التربوية تأديب الأبناء، وكما يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: “فالصبي إذا أهمل في ابتداء نشوئه؛ خرج في الغالب رديء الأخلاق، كذاباً حسوداً، سروقاً، نماماً، ذا فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب“.

ثالثاً: معرفة الأسس الثلاثة لصناعة الضمير:

تقوم عملية التأديب على أسس أو دعائم ثلاث لتصبح عملية إيجابية؛ وهي:

1- التنظيم:

إن الأطفال يحبون دوماً أن تكون لهم حدود وضوابط لكل شيء، ويشعرون بالمخافة والريبة والتردد إذا غابت هذه الضوابط من حياتهم، فالتنظيم ضروري في حياة الطفل، لاسيما في سنواته الأولى.

2- التقليد والقدوة:

التقليد أحد خصائص الطفولة الأساسية، فالطفل كالإسفنج يمتص ما حوله، ويتفاعل مع المحيطين به، من خلال تقليد سلوكياتهم وحركاتهم، وإذا أدركنا أن الطفل يبرمج سلوكه ويبني اتجاهاته بنسبة (70%) عندما يصل إلى السابعة من عمره، أدركنا مدى ما يأخذه من محيطه.

3- البرمجة والإيحاء:

والإيحاء يقصد به كل ما يدور في الحياة الأسرية من عمليات سلوكية ومشاعر نفسية، والتي تنتقل تلقائياً للطفل، والأسر السعيدة تضفي سعادتها على الأبناء، والأب الإيجابي هو من يتقن الرسائل الإيجابية غير المباشرة، والتي تتأصل في شخصية الطفل، وتنمو مع التربية والإيحاء المستمر.

والإيحاء يعني زرع الطموح وحب النجاح والقوة في اتخاذ القرار، وحرية الاختيار المنضبط، والدفاع عن النفس والقناعات الذاتية.

رابعاً: ابدأ بالتصحيح الفكري للخطأ:

وذلك بأن تقتدي بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم التصحيحي التقويمي، فتبين الخطأ وتوضح كيفية الخروج منه نظرياً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كَخ كَخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة“. (متفق عليه).

خامساً: مارس التقويم العملي الميداني للخطأ:

وهو أن توضح للأبناء طريقة الخروج من الخطأ عملياً، وبالتدريب الميداني، وتدبر الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يؤدب الأطفال عملياً وميدانياً عندما يخطئون؛ فيُقَوِّم ويصحح ويُراجِع برفق، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بغلام وهو يسلخ شاة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تنحَّ حتى أُريك“، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس ـ أي دس ـ بها حتى توارت إلى الإبط. (رواه أبو داود).

سادساً: التزم بسنة التدرج الإلهية:

وذلك بأن تتدرج في تأديبك لأبنائك، وأن يكون نوع العقاب ومقداره على تدرج، ويتناسب مع المرحلية العمرية والفكرية للطفل، فما يعاقب به الكبير لا يتناسب مع الصغير.

هل القسوة في التربية تربي الضمير لدى الأبناء؟

القسوة تربي الشخصية المهزوزة التي تخاف ما تراه، فإذا خلت انتهكت الضوابط وكسرت المعايير.

كيف يتعايش طفل نربي لديه الضمير مع مجتمع غابت عنه الضمائر؟

عندما يستقر الضمير داخل الإنسان فلا يضره ما يحيط به، بل سيكون ما تقره قناعاته، وما يتفق مع ضميره.

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم