الثلاثاء 23 يوليو 2024 / 17-محرم-1446

حياتي الغالية



 

شابة تقف على حافة سطح مبنى مكون من 30 طابقاً، تنظر إلى الأسفل، ثم إلى الأعلى، تعد اللحظات الأخيرة من حياتها، الناس في الأسفل يصرخون بها للتراجع.. تجمع الناس شيئاً فشيئاً، تحول المكان إلى جمهرة كبيرة، الناس، السيارات، الشرطة، الدفاع المدني..صعد أشخاص إلى أعلى المبنى ليقنعوها بالعدول عن قرارها بالانتحار، وكان الهواء شديداً هناك في الأعلى، وكان ذلك كفيلاً بأن يدفعها لأن تسقط بسهولة أمام أعين الناس.. 

وبعينيها المليئتين بالحزن واليأس أخذت تنظر إلى الناس، تسمع منهم ضوضاء ولا تفهم شيئاً، تنظر إلى كل شيء من حولها وتردد تافه..تافه، تنظر إلى الناس وتقول” تافهون..تافهون..”، ثم تعيد التفكير في نقسها فتقول تافهة تافهة.. 

مشهد عجيب، رهيب ومخيف..لكنه يحدث. 

أريد أن أتوقف هنا قبل أن أكمل القصة، لكي أزور وإياكم أفكار تلك الفتاة، نجول في عقلها، ونعرف ما الدوافع الكامنة وراء ذلك التصرف..إن المرء بطبعه يحب الحياة، فلماذا تريد هذه الفتاة إنهاءها؟ كيف تنظر فتاة في الثامنة عشر من عمرها بهذا اليأس؟ 

إن عقلها مكدس بالأفكار السلبية، وأولها حول ذاتها، إنها تشعر بتفاهتها وعدم أهميتها، فلماذا تعيش؟ ويشعر الإنسان هذا الشعور حينما تنخفض قيمته أمام نفسه، ويجد سهمه يهبط هبوطاً غير عادي، وذلك طبعاً بنظره، وكل ذلك مصدره فقدان الذات، فلا ترخص النفس إلا عند من فقد ذاته وضاعت هويته يجد نفسه في مهب الريح. لماذا يكمل الحياة وهو لا يمتلك ذاتاً يعيش من أجلها؟ هذا هو السؤال المهم الذي يصارعه. فيصرعه، ثم يقتله. 

فكيف يمكن أن تضيع الذات؟ وكيف يمكن أن ترخص الحياة؟ 

حينما يفقد الإنسان هويته الذاتية..يصبح صفراً بلا قيمة، وتصبح الحياة رخيصة..وكل يوم يمر يصبح ثقيلاً. إنها عاصفة الذات التي تذهب بالأخضر واليابس في نفس الإنسان.

فقد كانت البنت ضمن صرخاتها تقول: اتركوني وشأني..فأنا لا أعرف من أنا.. نعم لم تكن تعرف من هي..لقد ضاعت الذات.. ولما تضيع؟

السبب الأول لضياع الذات هو عدم وجود القيم والمبادىء التي يعيش وفقها الإنسان، لقد سٌميت القيم قيماً لما تضفيه من قيمة للحياة، فأنت تقيم الناس على سلوكهم وأعمالهم وإنجازاتهم، وكل ذلك لا يمكن أن تراه إن لم يكن هناك ما يدفعه من القيم.

أما السبب الثاني، فهو ضياع الذات في الآخرين، وهو أن يستغني الإنسان عن هويته ويبدأ في تقليد الآخرين رغبة بأن يكون مثلهم، فيبحث عن المشاهير ويقلد لباسهم وحركاتهم وألفاظهم وفي نفس الوقت فقد ذاته الأصلية. فيبدأ بالتنكر لذاته، يرفضها بل ويكرهها.. فكيف يتصرف إنسان كاره لنفسه؟ وهنا نطرح تساؤلاً. إذا كانت البنت كارهة لذاتها، فماذا عن مستقبلها؟

لقد كان من ضمن صرخاتها، لماذا أعيش؟ ما الذي سأفعله؟ أنا تافهة؟ لا قيمة لي؟

وهنا يكمن سر عظيم يجعل الحياة عظيمة أو تافهة في عين صاحبها، لماذا يعيش الإنسان؟ ما هي أهدافه في الحياة؟

حينما يشعر الإنسان أن يوماه متساويان، وأنه لا يرتقب للغد شيئاً وإنما ينتظر يومه يمر لكي يعبر منه إلى اليوم الثاني، تصبح الحياة مملة، ثم ثقيلة، ثم مؤذية، فلا هدف ولا غرض ولا فائدة ترجى منيِ، فماذا أفعل؟ لما أشعر بالعبئ على الآخرين وعلى ذاتي أيضاً. هكذا يشعر الإنسان إن لم يكن لديه هدف.. هكذا يموت المستقبل قبل أن يولد، فلماذا هو يعيش؟ فالحياة القادمة أرخص من الحاضرة، والكساد قادم لا محالة، وهنا يتمكن اليأس والقنوط من القلب، لكي يكون القرار..إنها الحياة.

عودة إلى نهاية المشهد فقد استطاعت الأم أن تصعد إلى أعلى المبنى وتلتقي عيناها بعيني ابنتها وتترجاها بأن تعدل عن قرارها وأن تثوب إلى رشدها وتتوب إلى ربها.. نادتها الأم: يا غالية، ردت عليها: بل أنا رخيصة ولا أستحق الحياة.

قالت الأم: وما الذي جعلك رخيصة؟ فردت البنت وسردت، كلما أرخص من قيمتها وكلما ذكرت شيئا من أخطائها وتقصيرها أخذت تصرخ وتقول: تافهة..أنا تافهة.

وبعد حوار عاطفي دمعت فيه العيون وأجهش الجميع بالبكاء، قالت الأم لإبنتها: إذا كنت قضيت حياتك بهذا الرخص.. فكيف ستقابلين الله سبحانه وتعالى بهذه الجريمة؟ وازداد بكاء الأم.

لكنها سقطت..سقطت أمام أمها.. سقطت على السطح وهي تبكي وتقول لا أريد أن أقابل الله هكذا.

جرى الجميع نحوها واحتضنتها الأم وانتهى مشهد من المأساة..

فما الذي حرك القيمة في نفس هذه البنت، وجعلها تتراجع عن انتحارها؟

إنه مبدأ بقيت آثاره الطيبة الذي أنقذ البنت مما هي عليه، وهو مبدأ الخوف من الله سبحانه وتعالى الذي أوجد لحياتها ثمناً غالياً في تلك اللحظات.

المصدر : مركز الخليج العربي للإاستشارات التربوية

الكاتب : ا.أحمد الشيبة

شابة تقف على حافة سطح مبنى مكون من 30 طابقاً، تنظر إلى الأسفل، ثم إلى الأعلى، تعد اللحظات الأخيرة من حياتها، الناس في الأسفل يصرخون بها للتراجع.. تجمع الناس شيئاً فشيئاً، تحول المكان إلى جمهرة كبيرة، الناس، السيارات، الشرطة، الدفاع المدني..صعد أشخاص إلى أعلى المبنى ليقنعوها بالعدول عن قرارها بالانتحار، وكان الهواء شديداً هناك في الأعلى، وكان ذلك كفيلاً بأن يدفعها لأن تسقط بسهولة أمام أعين الناس..

وبعينيها المليئتين بالحزن واليأس أخذت تنظر إلى الناس، تسمع منهم ضوضاء ولا تفهم شيئاً، تنظر إلى كل شيء من حولها وتردد تافه..تافه، تنظر إلى الناس وتقول” تافهون..تافهون..”، ثم تعيد التفكير في نقسها فتقول تافهة تافهة..

مشهد عجيب، رهيب ومخيف..لكنه يحدث.

أريد أن أتوقف هنا قبل أن أكمل القصة، لكي أزور وإياكم أفكار تلك الفتاة، نجول في عقلها، ونعرف ما الدوافع الكامنة وراء ذلك التصرف..إن المرء بطبعه يحب الحياة، فلماذا تريد هذه الفتاة إنهاءها؟ كيف تنظر فتاة في الثامنة عشر من عمرها بهذا اليأس؟

إن عقلها مكدس بالأفكار السلبية، وأولها حول ذاتها، إنها تشعر بتفاهتها وعدم أهميتها، فلماذا تعيش؟ ويشعر الإنسان هذا الشعور حينما تنخفض قيمته أمام نفسه، ويجد سهمه يهبط هبوطاً غير عادي، وذلك طبعاً بنظره، وكل ذلك مصدره فقدان الذات، فلا ترخص النفس إلا عند من فقد ذاته وضاعت هويته يجد نفسه في مهب الريح. لماذا يكمل الحياة وهو لا يمتلك ذاتاً يعيش من أجلها؟ هذا هو السؤال المهم الذي يصارعه. فيصرعه، ثم يقتله.

فكيف يمكن أن تضيع الذات؟ وكيف يمكن أن ترخص الحياة؟

حينما يفقد الإنسان هويته الذاتية..يصبح صفراً بلا قيمة، وتصبح الحياة رخيصة..وكل يوم يمر يصبح ثقيلاً. إنها عاصفة الذات التي تذهب بالأخضر واليابس في نفس الإنسان.

فقد كانت البنت ضمن صرخاتها تقول: اتركوني وشأني..فأنا لا أعرف من أنا.. نعم لم تكن تعرف من هي..لقد ضاعت الذات.. ولما تضيع؟

السبب الأول لضياع الذات هو عدم وجود القيم والمبادىء التي يعيش وفقها الإنسان، لقد سٌميت القيم قيماً لما تضفيه من قيمة للحياة، فأنت تقيم الناس على سلوكهم وأعمالهم وإنجازاتهم، وكل ذلك لا يمكن أن تراه إن لم يكن هناك ما يدفعه من القيم.

أما السبب الثاني، فهو ضياع الذات في الآخرين، وهو أن يستغني الإنسان عن هويته ويبدأ في تقليد الآخرين رغبة بأن يكون مثلهم، فيبحث عن المشاهير ويقلد لباسهم وحركاتهم وألفاظهم وفي نفس الوقت فقد ذاته الأصلية. فيبدأ بالتنكر لذاته، يرفضها بل ويكرهها.. فكيف يتصرف إنسان كاره لنفسه؟ وهنا نطرح تساؤلاً. إذا كانت البنت كارهة لذاتها، فماذا عن مستقبلها؟

لقد كان من ضمن صرخاتها، لماذا أعيش؟ ما الذي سأفعله؟ أنا تافهة؟ لا قيمة لي؟

وهنا يكمن سر عظيم يجعل الحياة عظيمة أو تافهة في عين صاحبها، لماذا يعيش الإنسان؟ ما هي أهدافه في الحياة؟

حينما يشعر الإنسان أن يوماه متساويان، وأنه لا يرتقب للغد شيئاً وإنما ينتظر يومه يمر لكي يعبر منه إلى اليوم الثاني، تصبح الحياة مملة، ثم ثقيلة، ثم مؤذية، فلا هدف ولا غرض ولا فائدة ترجى منيِ، فماذا أفعل؟ لما أشعر بالعبئ على الآخرين وعلى ذاتي أيضاً. هكذا يشعر الإنسان إن لم يكن لديه هدف.. هكذا يموت المستقبل قبل أن يولد، فلماذا هو يعيش؟ فالحياة القادمة أرخص من الحاضرة، والكساد قادم لا محالة، وهنا يتمكن اليأس والقنوط من القلب، لكي يكون القرار..إنها الحياة.

عودة إلى نهاية المشهد فقد استطاعت الأم أن تصعد إلى أعلى المبنى وتلتقي عيناها بعيني ابنتها وتترجاها بأن تعدل عن قرارها وأن تثوب إلى رشدها وتتوب إلى ربها.. نادتها الأم: يا غالية، ردت عليها: بل أنا رخيصة ولا أستحق الحياة.

قالت الأم: وما الذي جعلك رخيصة؟ فردت البنت وسردت، كلما أرخص من قيمتها وكلما ذكرت شيئا من أخطائها وتقصيرها أخذت تصرخ وتقول: تافهة..أنا تافهة.

وبعد حوار عاطفي دمعت فيه العيون وأجهش الجميع بالبكاء، قالت الأم لإبنتها: إذا كنت قضيت حياتك بهذا الرخص.. فكيف ستقابلين الله سبحانه وتعالى بهذه الجريمة؟ وازداد بكاء الأم.

لكنها سقطت..سقطت أمام أمها.. سقطت على السطح وهي تبكي وتقول لا أريد أن أقابل الله هكذا.

جرى الجميع نحوها واحتضنتها الأم وانتهى مشهد من المأساة..

فما الذي حرك القيمة في نفس هذه البنت، وجعلها تتراجع عن انتحارها؟

إنه مبدأ بقيت آثاره الطيبة الذي أنقذ البنت مما هي عليه، وهو مبدأ الخوف من الله سبحانه وتعالى الذي أوجد لحياتها ثمناً غالياً في تلك اللحظات.

المصدر : مركز الخليج العربي للإاستشارات التربوية

الكاتب : ا.أحمد الشيبة

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم