الأثنين 27 مايو 2024 / 19-ذو القعدة-1445

بصمات على الجدار .



بصمات على الجدار .                                           

                                                                       د. عبدالله عبدالرحمن السبيعي  .
http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRAaUPyJ8t4LjIVdKjqsmY84BBusBPAivEiNImvfj8elTI20HO3cg                                                                          

قبل أيام قليلة كنت قد ذهبت إلى أحد الأسواق المركزية بصحبة ولديّ لشراء بعض الأغراض، وكنت منهمكاً في البحث عن الأغراض التي في الورقة التي كتبتها أم الأولاد، وكنت أيضاً ضائعاً بين صراخ هذا ونداء ذاك. (حفظهما الله وجعلهما خيراً من أبيهما)

وفجأة وبدون أي مقدمات رأيت نفسي أخرج من باب ذلك السوق وبصحبتي ولديّ ، لكنهما كانا أكبر سناً مما كانا عليه وقت دخولي،،
كان ذلك المشهد قد مثل أمامي ، وفي أقل من لحظه عدت لأراهما أمامي كما ألفتهما.
فقلت لنفسي :

سبحان الله ..
لقد أشغلت نفسي كثيراً ، فابتعدت عن أولادي و لم أستمتع معهما كما ينبغي ، طفولتهما لن تستمر معي طول العمر،

لماذا أتذمر دوماً مما يفعلانه !!!! وأنا أكيد من أنني غداً سأتذكر أفعالهما وأقول في نفسي:
يا الله ليتهما لازالا طفلين يلهوان معي ويؤنساني …
ربما فكر غيري كما فكرت أو رأى مثل ما رأيت، فالحقيقة المرة هنا:
أن مرحلة الطفولة ستنقضي بسرعة.

لقد قرأت في أحد الكتب :

“سوف ترحل قبل أن تعلم أنت بذلك، بصمات الأصابع على الجدار ستكون أعلى وأعلى وأعلى حتى تختفي تماماً، ففي طرفة عين سيأخذون أغراضهم ويتوجهون إلى ممالكهم الخاصة بعيداً عن عش الطفولة”.
أيها الأحبة في الله
أيها الآباء
وأيتها الأمهات
فلنقم معاً بهذا التمرين البسيط:

أغمض عينيك الآن ، تخيل ابنك أو ابنتك وهي في حفل التخرج من الجامعة ، طابور الخريجين أو الخريجات ينتظرون أن ينادى أسمائهم ، ثم يأتي ذلك الاسم الذي يخفق قلبك لسماعه بشدة ، تراه أو تراها تصعد المنصة لاستلام الشهادة تدمع عينك لهذا المشهد ويترقرق له قلبك ، فتجد نفسك تقول :

يا الله ، والله وكبرت / كبرتي يا ….

موقف آخر:

أنت الآن تنظر إلى ابنك / ابنتك وعروسه بجانبه / بجانبها ، الناس من حولك تبارك لك وتتمنى لهما حياة هنيئة وهما على وشك الذهاب إلى بيتهما الخاص بعيداً عنك عندما يحدث هذا فلن تفكر في قول:
آآآآآآآآآه ، ليتني قضيت معه / معها وقت أكثر

في مكان ما في المنزل ، قد تجد أنه لا تزال هناك بعض آثار خطوات له / لها، أو ربما خطوات أخرى أكبر أو أصغر لأطفال لا يزالون في المنزل،
انعم بصحبة هذه الخطوات قبل أن يأتي الوقت الذي تقول فيه:
ليتني أستطيع إيقاف الوقت فهو يسير بسرعة

والآن ، وبما أننا لا نستطيع أن نوقف الوقت، أطفالنا يكبرون بمرور الوقت، ماذا يمكننا أنفعل لنستمتع بالأوقات التي نقضيها معاً؟
كيف يمكن لأم أن تجعل من هذه اللحظات الزائلة ، أو في بعض الأحيان متلاشية ، لحظات ممتعة عذبة ،،، لا تنسى عذوبتها مع مر الزمن …
فلنحرص على أن نبقي شمعة الفرح و البهجة متقدة في كل الأوقات.

عندما يتعلم طفلي كيف يقرأ
عندما أستطيع أن أزيل هذا الوزن الزائد و الجلد المترهل بسبب الحمل
عندما أنتهي من ترميم المنزل..
عندما ينهي ابن أو ابنتي حفظ ..
عندما وعندما

سأشعر بسعادة لا توصف …

أليست هذه نماذج من الأفكار التي تداعب خيال الآباء والأمهات؟؟؟؟
لماذا نربط لحظات استمتاعنا بأمر سيحدث؟
لماذا لا نجعلها متزامنة مع ما يحدث الآن ونتيجة لما حدث ؟؟
لمن تكون ميزانيتنا ما هي ضيقة !!!
لو إن زوجي ما هو مضغوط
لو إن زوجتي ما هي موظفة
لمن أعيد ترتيب البيت وتأثيثه
لمن المراهقين اللي عندي يبتدون يعقلون ويعرفون يحسنون الاختيار

عندما نربط متعتنا وبهجتنا بـ لو أو عندما ، فإننا دونما أدنى شكك سنفقد المتعة التي وهبنا الله إياها في كل مراحل الأبوة والأمومة، نؤجلها ، ثم نؤجلها ، ثم نؤجلها ، وبعد ذلك لا نشعر بها فنتساءل لماذا لا نشعر بها الآن كما كنّا ننظر ونتوقع؟؟
فنندم و نتباكى ، بل إننا نبكي ألماً على أننا لم نستغل الأوقات التي مضت ….

حتّى تلك الأوقات التي تبدو صعبة ومليئة بأحداث عصيبة نشعر أنها لن تنتهي أو تنقضي كالتعامل مع نونيّة الأطفال، أو مواجهة تغير المراهقة ,,, كلها لحظات ممتعة لا نشعر بمتعتها إلا بعد حين

أحبتي في الله

لنجعل تركيزنا أكثر على أن نعيش اليوم بمتعته مع أطفالنا ونعرف أن لكل يوم متعته الخاصة ، فلا تؤجل متعة اليوم لغداً أو بعده:

– أذكر أنني أشرت في موضوع قديم أن لكل عمر متعته الخاصة التي لا تشعر بها في حال انقضت هذه الفترة من عمرك : اللعب في المنزل / النزهات الأسبوعية / القراءة / الرسم / المزاح / الحوار / إعداد وجبات عائلية بمشاركة جميع أفراد العائلة في المطبخ – خلي المطبخ ينحاس مرة وش بيصير يعني –

مشوار عادي بالسيارة ونخليهم يسمون كل الأشياء اللي شافوها باللون الأصفر، وبعدين الأخضر ,, و بعدين الشكل الدائري أو غيره ،، و نشارك معهم أيضاً…

نختار السيارات وكل واحد يعد كم سيارة مرت من النوع اللي يحبه حتى الأوقات التي يكونون فيها مرضى فهي أنسب الأوقات إعادة شحنهم عاطفياً ، وقت لتضم طفلك إلى صدرك وتشعره بحنانك , تشعره بدفئك وأنك تشعر بنفس الألم الذي يشعر به , إن لم يكن أكثر
وقت لترشف معهم كوباً من أي شراب ساخن و ليكن الزنجبيل مثلاً أو تسقيهم بعض الحساء .. تقليب صفحات بعض الكتب معاً و أنت بجانبه / بجانبها على الفراش.

في كل يوم هناك حدث نحتفل به في المنزل ، الألوان على بشرة طفلك , أو كلمة ينطقها الطفل عندما يجلس لأول مرة ،، يقف لأول مرة ،، أول خطوة

عندما يقبلك أو يسلم عليك طفلك وتكتشف أن ….
أوجدوا نقاط التمهل الخاصة بكم معاً ، غالباً نهتم في أن نفعل أي شيء لنفتخر بأولادنا ليظهروا أمام الناس بأفضل الأحوال وفي خضم ذلك نتناسى أنهم فلذات أكبادنا نتناسى الحاجة بداخلنا لهم والحاجة التي بداخلهم لنا فهم جزء منّا ،،

نشعر أننا مشغولون دوماً و ملتزمون بأمور كثيرة نحن و الأطفال أيضاً ،، نجري من هنا ومن هناك ولكن حين نستلقي لبعض الوقت ، نغمض أعيننا ، نفكر أنهم مغادرون لا محالة ،، في هذه اللحظة أشعر أن تواجدي بجانب ابني أو ابنتي في فراشه قبل أن ينام لحظات لا تعوض بأي ثمن فلماذا أحرم نفسي منها !!!!

احرص على تخصيص وقت لما هو فعلاً مهم مهما كان هدفك أو أهم الأعمال بالنسبة لك فقط اسأل نفسك :

هل أنا أستغل وقتي لأداء هذه الأعمال فعلاً؟

اجتمع بالأسرة ،، حدّدوا معاً أمراً او نشاطاًً واحداً تحرصون على عمله جميعاً واجتهدوا أن لا يفوتكم هذا العام ثم بكل بساطة افعلوه

أحبتي في الله ،،
الحياة هبة، وأطفالنا هبة ، وكل يوم معهم أيضاً هبة ، فكما نخصص وقتاً للعبادة كل يوم ووقتاً للعمل ونحرص على ذلك وآخر للراحة ونغضب إن لم يتوفر ينبغي أن نتذكر دائماً:

أن نبقي المتعة والبهجة متقدة وأن نميز دوماً بين المهم والأكثر أهمية .

 


تصميم وتطوير شركة  فن المسلم