الكراهية وجه واحد وأقنعة متعددة
http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQSjV5WqmUeNzby71hf6vtvmUGezRjwYgsosLa-GHb5aDpkwZ5L
د. يوسف بن عبد اللطيف الجبر .

يصاب سليم الفطرة بالذهول عندما يقف على حماس بعض من يقتسمون معنا العيش لمواقف الاختلاف، واندفاعهم لممارسة عملية نقد الآخرين دون قيود! ولو أن تاريخ هؤلاء يشفع لسلوكهم لما كان الموقف غريب الطور على المتابع.

لكن الأمر اتجه إلى دائرة الاستغراب بتأمل سير هؤلاء والثقافة المسيطرة على أذهانهم، فمن يقلب صفحات أعمالهم لا يجد لهم ما يشفع لما يقومون به من استعداء، فهم لا يحملون رؤية حضارية ناضجة أو رسالة معرفية يبذلون لأجلها حركة القدم وعطاء القلم.

وبمعنى آخر أنهم لا يمارسون النقد لأهداف نبيلة، ولايتبنون مواقفهم من منطلقات صادقة،فنتائج أعمالهم تقرأ من مقدمات تصرفاتهم الساكنة في ذاكرة المجتمع.

وعندما يشط بنا الخيال لنمضي في رحلة التعرف على سر هذه الظاهرة فسوف نصل إلى عدد من التفسيرات التي يأتي في طليعتها انحراف الفطرة البشرية إثر تشبع مراكز التأثير في الإنسان بفيروسات الكراهية في فترة التكوين.

فإن كان البعض منا يولد في بيئة نقية يملؤها الحب ويفشو فيها السلام ويسودها التسامح، فإن البعض الآخر لا تتهيأ له مثل هذه الظروف التربوية، بل يتعرض لرياح كراهية عاصفة تبقى ذراتها الملغمة رهينة مشاعره وحبيسة في أعماقه عمراً طويلاً، فينشأ ناشئ الفتيان على كره الحياة والأحياء، والنفور من الصداقة والأصدقاء، وعدم القدرة على احتضان أحاسيس التعايش والإخاء.

وهذا الصنف من البشر هم من يسعر الحروب في مجتمعاتنا أياً كان لونها طبقية كانت أو مناطقية أو فكرية بل حتى على مستوى الخلافات بين الشعوب أو الأمم.

كل هذه الصور القاتمة يغذيها هذا الصنف ممن يسعد للإيقاع بين الأحبة، ويهوى إرسال سهام التشكيك إلى الأجساد الطاهرة، ويسعى لإسقاط الرموز الوطنية بدعوى الحراك الثقافي أو ممارسة النقد العلمي أو طرح الرأي الآخر أو مواجهة الظلم أحياناً!؟

والحقيقة أنهم مرضى بعيوب لا يستطيع طب الجراحة أن يستأصل هذا الورم المتضخم في عقولهم، وليس من مستحضر يشفي من داء حب الاختلاف المتوطن في أعماقهم. ويظل لكل واحد من هؤلاء وجه كراهية واحد لايتغير بتغير الأيام، ولكن توضع عليه أقنعة متعددة بحسب الموقف.

فإن كان الحديث حول الفكر تطاولوا على أهل الفكر باسم تقويم الحركة الفكرية وتصحيح مسارها، وإن كان النقاش حول تعيينات إدارية كرسوا أقلامهم للإساءة إلى من حاز ثقة الوطن بدعوى الاحتساب وإيصال الرسالة إلى المعنيين،وإن كان الحوار حول أداء بعض الجهات انتقل الحديث إلى اتهام النوايا وتصنيف الأشخاص!

إن هذه النظرية التي أعرضها أمام أنظاركم تفك لنا شفرة الغموض لكثير من مواقف الحياة حتى في الأوساط الاجتماعية، فلا تنظر إلى الإطار البارز أمامك من هذه المواقف، وتحوّل إلى خلفية التكوين للصورة الماثلة نصب عينيك، وعندها ستسعد باكتشاف جملة من الحقائق الغائبة عن تفكيرك.

ويبقى السؤال الحائر والمتردد بين جنبات الصدور عن طريقة التصرف مع حاملي هذه الأقنعة الزائفة؟

والجواب في ثنايا هذا البيت:

يهابك كل ذي حسب ودين   *** وأما في اللئام فلن تهابا

فعليك بالترك وإذا خاطبوك فقل سلاماً.

جميع الحقوق محفوظة لموقع التنمية الاسرية © 2020