الأحد 26 مايو 2024 / 18-ذو القعدة-1445

الحكمة من أساسيات الدعوة



الحكمة من أساسيات الدعوة
  د.فيصل سعود الحليبي

فلربما شدتنا صفة من صفات عباد الرحمن، يضعون بها الأمور في مواضعها، ويتسمون بها بعدم التعجل أو التهور، وفي مقابل ذلك يتزينون بعقل القرارات قبل اتخاذها، ودراسة أبعادها، والنظر في مآلاتها من خير أو شر، ثم الإقدام على الأفضل منها، إنها الحكمة التي أكرمهم الله تعالى بها، والتي عرّفها بعضهم بقوله : إصابة الحق بالعلم ,والعقل، أما حكمة الله تعالى فهي معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام .

ولأن الحكمة علم يمكن أن يكتسب، فلقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حينما ضمه فقال : (( اللهم علمه الحكمة )).(1)

كما أنها هبة من الله تعالى يؤتيها من يشاء، قال سبحانه : { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } .(2)

والحكمة نعمة كبيرة، لما تتركه من آثار النجاح وتحقيق الغايات من دون مخاطر أو خسائر، ولذا فإنها محل حسد أو غبطة، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:((لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)).(3)

والنبي r أحكم الخلق، وسارت دعوته على أسس الحكمة، حتى آتت أكلها، ومن ذلك ما ورد في السنًة أنه قال : (أتيت بإناءين في أحدهما لبن, وفي الآخر خمر فقال اشرب أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقيل أخذت الفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)) .(4)

والحكمة صفة تعلي من شأن صاحبها، حتى لتراه مرجعًا للاستشارة، أو الصلح بين المتخاصمين؛لأنه يستطيع أن يدير دفة القضايا بكل روية وسكينة ويحقق بعد فضل الله تعالى ثم بحكمته ما يصبو إلى جميع الأطراف، ويخمد بحكمته ألسنة الاختلاف الملتهبة، ويقضي على الفتنة في مهدها، وما دور النبي r في وضع الحجر الأسود بعد اختلاف القبائل عليه، ودوره في الإصلاح بين الأوس والخزرج، والتأليف بين المهاجرين والأنصار ، و موقفه في قصة الإفك، وصبره على الأقوام الذين كذبوه وآذوه حتى أتوه مسلمين، إلا شواهد قليلة من حياة النبي الحكيم وقدوة الناس أجمعين عليه الصلاة والسلام .

ولم يكن النبيr ليحجز أمته عن الأخطار في الدنيا فحسب؛ بل كان همه الأعظم نجاتهم من النار يوم القيامة، والفوز بالجنة دار النعيم المقيم، عن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحُجَزِكم عن النار وأنتم تقحمون فيها)) .(5)

وهكذا شأن كل حكيم أكرمه الله بالحكمة، فإنها لا تزيده إلا عزًا وشرفًا، وتبعده عن مصاف الجهّال والسفهاء، فعن السكن بن عمير قال سمعت وهب بن منبه يقول : ((يا بني عليك بالحكمة فإن الخير في الحكمة كله، وتشرِّف الصغير على الكبير، والعبد على الحر، وتزيد السيد سؤددا، وتجلس الفقير مجالس الملوك)) .(6)

ولقد جعل الله تعالى لنا نورًا نستنير به في الدنيا ونرتقي به في الآخرة، منه ننهل الحكمة صافية نقية وضّاءة، وهو القرآن الكريم، فعن كعب قال : (( عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل ونور الحكمة, وينابيع العلم,وأحدث الكتب بالرحمن عهدا, وقال في التوراة: يا محمد إني منزل عليك توراة حديثة تفتح فيها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا)) .(7)

ولذلك كان ينبغي على حامل القرآن أن يكون حكيمًا، كما قال ابن مسعود: (( ينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا ) .

ولقد ذكر الحكماء للحكمة طرقًا ووسائل بها يحصل المرء الحكمة ,ويستفيد منها ,ويفيد، فإن أولها التعلم واكتساب الخبرة، فعن الإمام مالك رحمه الله أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال 🙁 يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء )) .

كما أن لممارسة الحياة وتجاربها أثره البالغ في اكتسابها، فالحكيم كثيرًا ما يكون ذا تجارب ناجحة، يمارس الحياة في شتى أصنافها، ويستمع لأخبار الناس ليتعلم منها، وتراه كثيرًا ما يتعظ بغيره، قال معاوية بن أبي سفيان: ( لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة) .

ولنعلم أن منطلق الحكمة هو الصمت، الذي يتريث به الإنسان عن العجلة بالأحكام، أو التسرع في القرارات، فكثيرًا ما يكون مع المستعجل الزلل، ويفوز الحكيم المتريث بالرأي الأرشد، فقد أخرج ابن باكويه عن أحمد بن خالد عن أبيه قال 🙁 أدنى نفع الصمت السلامة، وأدنى ضرر المنطق الندامة، والصمت عما لا يعني من أبلغ الحكم ) .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن موسى بن علي ، قال : قال رُبَيط بني إسرائيل : (( زين المرأة الحياء، وزين الحكيم الصمت )) .

وقال لقمان الحكيم : (( الصمت حكمة وقليل فاعله )) .
وإذا تحدث الحكيم فينبغي أن يختار لحديثه ورأيه وعلمه المكان والزمان المناسبين، فإن من يتحدث بمقال في غير مقامه، لم يوفق للنتيجة المطلوبة، والأثر المحمود، فإن لكل مقال مقام، لا يدركه إلا الحكماء.

كما أن معرفة المتحدث إليهم، وما يمكن أن يدركوه من الحديث، وما يتأثرون به من رأي وقرار، وما نتيجة ذلك عليهم ، وما ردة فعلهم منه، أمر في غاية الأهمية، فالحكمة تقتضي مراعاة ذلك كله، فعن كثير بن مرة، قال :  (لا تحدث الباطل للحكماء فيمقتوك، ولا تحدث الحكمة للسفهاء فيكذبوك، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تضعه في غير أهله فتجهل، إن عليك في علمك حقًا، كما أن عليك في مالك حقًا )) .(8)

ولا حكمة بالغة، إلا بخشية الله تعالى، والمخافة منه، وقديمًا قالوا : (رأس الحكمة مخافة الله ) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية : ( يؤت الحكمة ) قال : (الخشية؛لأن خشية الله رأس كل حكمة ) ، وعن مطر الوراق قال : ( بلغنا أن الحكمة خشية الله ,والعلم بالله ) .
ولم أجد شيئًا بعد توفيق الله تعالى في الحكمة أكثر أثرًا من الرفق، فهو عمودها، قال عروة بن الزبيرy : إنه كان يقال : (( الرفق رأس الحكمة )) .

حاول أخي الحبيب أختي الكريمة: أن تنظر في شأنك مع الحكمة، واسلك لها مسالك العلم والخشية والرفق وحسن الحديث بعد صمتِ تأمل,وتفكر، عسى الله أن يوفقك فتكون من الحكماء .

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم