الأثنين 17 يونيو 2024 / 11-ذو الحجة-1445

الاهتمامات المشتركة: سياج آمن لحب مستقر.



الاهتمامات المشتركة : سياج آمن لحب مستقر.


الشيخ عادل بن سعد الخوفي .

أم إياد من السعودية تقول :

” تزوجت منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات ، صلّى بي زوجي ركعتين ليلة الزفاف ، لا تسألوا عن حلاوتها وجمالها ، أحسستُ أنني شيء متأصِّل فيه ، وأنَّ أحاسيسي ومشاعري اقترنتْ به ، منذ ذلكَ اليوم ، جاهدت نفسي ألا يُصلِّي ( الوتر ) إلا وأنا مأمومة خلفه ، إنَّها عبادة مُشتركة نختم بها يومنا ، أستمع منه للقرآن الكريم ، وأشتركُ معه في مناجاة رب العالمين ، إنها تُشعرني بألفة ومودَّة معه ، وتُعالج في حياتنا ما قد يعترض من توترات “.

في مسيرة حياتنا أعداداً هائلةً من الشخصيات التي التقيناها وأحببناها، جمعتنا بهم مهمات عمل ، أو مجاورة في مسكن ، خَبت هذه العلاقة وانطفأ نورها ، لعدم وجود مساحات تلاق معها خارج العلاقة الرسمية أو الأدبية التي كانت قائمة .

في داخل الأسرة الواحدة ؛ ينقطع التواصل بين بعض أفرادها ، ويجهل بعضهم شؤون الآخر ، والجديد في حياته ، لعدم التقائهم في مساحات مشتركة لاهتماماتهم .

وبين الزوجين ؛ نجد أحياناً ( العدوان السلبي ) ، الجَفاء ، والرتابة ، والنفور ، والجفاف العاطفي ، لعدم وجود مساحات كافية من (الاهتمامات المشتركة ) بينهما ، يشعر أحدهم بغربة وانفصال عن شريك حياته ، يصبـح العش الزوجي ( بيئة طاردة ) لا ( جاذبية ) ، لا روح فيها ولا حياة ، ما إن تطأ قدما أحدهما المنزل ، حتى يشعر بانقباض في صدره ، وضيق في تنفسه ، ليستغل أي كُوّة تسمح له بالخروج إلى فضاء هذا الكون الفسيح ، إلى أصحابه ، إلى من يناقشه اهتماماته ، فهناك سيجد مساحات تلاقٍ واسعة لاهتماماته ، أو أنه يهرب إلى النوم ، أو تصفح القنوات الفضائية ، والجرائد والمجلات ، أو العبث في جهاز الهاتف الجوال . وكذا الحال بالنسبة إلى الزوجة تهرب تعبيراً عن ضجرها من إهمال زوجها ، وشعورها أن وجودها وعدمه سواء .

تقول ( ل . س ) :

” زوجي دائم الصمت ، لا أكاد أسمع منه كلمة إلا إذا بادرته بالسؤال ، والجواب حينئذ معدود الكلمات ، مفردات تخرج من حنجرة بخيل ، ليس بيننا أي مشاعر أو أحاسيس ، لا يجمعنا سوى جدران هذا السجن الكبير ( البيت ) ، فلا أعمال ولا برامج ولا زيارات ولا اهتمامات ، حتى أنني أتسوَّل منه كلمات الحب أو الاهتمام ولا من نتيجة .

هو على خُلق ودين ، لم يجرحني يوماً بسباب أو شتائم ، ولم يرفع يده عليَّ قط ، يؤمِّن جميع احتياجاتي دون تردد ، ولكنه يهينني ، يدميني ، يقتلني بجفائه العاطفي ، بشعوري أنَّ له عالمه الخاص الذي لا أعلمه ، فأين يذهب !؟ ومن أصحابه !؟ ومتى يعود !؟ وما يُسعده أو يحزنه !؟ ما الذي يَسُرُّه منى والذي يكرهه !؟ كل هذا لا أدري . لا أدري “.

إنهما في حاجة إلى التقاء وفق آفاق رحبة لاهتمامات مشتركة بينهما، حتى لا تكون أدوار الزوجين مكرورة باهتة ، قد أنهكتها العلاقة الرسمية في إطار من الفروض والالتزامات الجافّة .

إن التقاء الزوجين ، أو بعض أفراد الأسرة في اهتمامات مشتركة ؛ سر من أسرار نجاح علاقتهم ببعض ، واستقرار حياتهم ، فهي مدعاة لزيادة الروابط بينهم ، وسبيل لحياة ملؤها الود ، والتواصل ، والإيجابية.

هي علاقة طردية ؛ فكلما زادت الاهتمامات المشتركة ، كلما كان الاستقرار ، والمودَّة ، والحب قائماً متقداً .

يقول الدكتور ديفيد نيفن : ( إن كل اهتمام مشترك بين الأشخاص الذين تربطهم علاقة ما ، يزيد من احتمالات ديمومة هذه العلاقة، ويؤدي إلى زيادة في القناعة الحياتية )( مئة سر بسيط من أسرار السعداء/90 ) .

إننا بهذا نجني ثماراً يانعة ، منها :

1- التعاون على طاعة الله .

2- زيادة ثقة كل زوج بالآخر ، والتعرف عليه عن قُرب .

3- تأصيل الصلة والاهتمام والانتماء مع شريك الحياة .

4- التقليل من أسباب الخلاف والمشكلات .

5- القضاء على الخرس والملل الزوجي .

6- إحاطة الحياة الزوجية بسياج من الأريحية ، واتفاق المشاعر ، والألفة والمودة .

 

حدَّثتني أم خالد من الغربية قائلة :

” متزوجة منذ ( 6 سنوات ) ، زوجي على خلق ، ويخاف الله فِيَّ ، إلا أنه مشغول جداً ، دائماً في غرفة علوية لمتابعة الأسهم ، فهي عالمه الواسع ، ساعات وساعات يقضيها هناك ، وحين ينزل إلينا يكون السكوت هو علامته الفارقة .

استشرت أحد المستشارين ، وبدأت التنفيذ ، أخذت أقرأ عن الأسهم ، وأتابع المنتديات المتخصصة لمعرفة أخبار السوق والشركات صعوداً ونزولاً ، حتى كوَّنت صورة جيدة جداً عنها .

يوماً ما أخذت مشروباً ساخناً ، وشيء من الموالح والمكسرات ، وطرقت الباب عليه بهدوء ، لم يلتفت لي بصورة تامة ، ولم يرفض دخولي ، قدَّمت ما لدي ، ثم ذكرتُ له إحدى المعلومات الجديدة عن السوق ، التفت إليَّ مبتسماً ، وللمرة الأولى من بضعة أشهر !! ودعوتُ له بالربح الحلال ، وودعته .

بدأت أشاركه الحديث عن السوق ، ورأيتُ أن جبل الصمت قد زال ، الآن أنا مستشارته الخاصة ، والعلاقة بيننا أكثر من ( سمن على عسل ) ” .

ما أجمل أن يلتقي الزوجان على اهتمام إيماني مشترك بينهما ، يُذكِّرُ بعضهم بعضاً فيه : ( صلاة الضحى ، أو صلاة الوتر ، أو حفظ شيء من القرآن الكريم ، أو تلاوة ورد يومي من القرآن الكريم وتدبره وتفسيره ، أو أذكار الصباح والمساء ، أو صيام يوم في الأسبوع ) .

ما أفضل أن يلتقي الزوجان على اهتمام تربوي وتنمية ذاتية مشتركة بينهما ، يتبادل بعضهم مع بعض الخبرات : يرسمون خططهم الحالية والمستقبلية في تربية أنفسهم وتهذيبها ، أو تربية أولادهم التربية القويمة ، أو بقراءة في كتاب مع استخلاص الفوائد منه وتقييدها ، أو التحاق بدورات متخصصة تنمي المهارات .

ما أحلى أن يلتقي الزوجان على اهتمام خيري مشترك بينهما ، يعين بعضهم بعضاً فيه: ( الصدقة الإلكترونية، صدقة السر ، كفالة يتيم ، التطوع لرعاية أرملة أو مسكينة ).

إنها قائمة مفتوحة لا حدود لها ولا حصر ، تَسع كل هواية محبوبة مناسبة : الرسم ، والتصميم ، والقراءة والإطلاع ، وجمع الآثار ، وتجارة الأسهم والعملات ، ومساعدة الفقراء والمساكين وذوي الحاجة ، و حفظ القرآن الكريم وتعليمه ، وتنمية المهارات بالالتحاق بالدورات المتخصصة ، يُشجِّع بعضهم بعضاً ، ويستذكر بعضهم للآخر ، فيكون هذا الموضوع أو ذاك محور لقاءاتهم ، وميدان نقاشاتهم ، ومجال أحاديثهم ومجالسهم ، إن ذلك مدعاة لحياة أسرية هانئة ريانة ناجحة .

وهنا أعرض هذه الخطوات العملية لكل من وجد في شريك حياته شيء من جفاء :

1- تعامل مع هذه المرحلة على أنها عَرَضٌ وليست مرض ، وأنه بالإمكان تجاوزها بالاستعانة بالله تعالى ، والصبر ، واحتساب الأجر من العلي القدير .

2- استحضر الصور الإيجابية المشرقة في شريك حياتك ، وابدأ في كسر حواجز الصمت ، وإذابة الجليد القائم ، من خلال إشاعة مفردات الحب والاشتياق ، والكلمة الطيبة ، والابتسامة البشوشة ، والخدمات المتميزة ، والدعوات الصالحة .

3- ( دوائر الماء ) ، طريقة رائعة لانسيابية الحديث ، هل رأيت دوائر الماء ، حين ترمي على سطحه قطعة صغيرة !!؟ اجعل أحاديثك كدوائر الماء ، افتح موضوعاً للنقاش بكلمات قليلة يسيرة ، ثم دع المجال لشريك حياتك للإجابة أو التعليق دون مقاطعة أو ضَجَر أو اختلاف ، ثم اترك الحديث ينتقل من دائرة إلى أخرى بهدوء وانسيابية، مع عدم استعجال النتائج .

4- التبرُّم ، والتحقيقات ، والإلحاح في الطلبات ، ثلاثي غير مرغوب فيه حين التعامل بين الزوجين ، يؤثر على استقرارهم ، ويجرح ما لديهم من صفاء .

5- قد يحتاج أحد الزوجين أحياناً للجلوس منفرداً، أو مشاهدة التلفاز، أو الخروج لزيارة صديق أو التنزه ، إنها خُطوات لتنفيس الضغوطات، ينبغي أن نُفسح المجال لها، بأريحية وسرور .

6- مع مشاغل الحياة ومجرياتها ، تحتاج النفس إلى تجديد يبعث في النفس البهجة ، ويدفعها لمزيد من الإنتاجية والعطاء ، ومن أبرز ميادين التجديد ، التجديد الذي يعرضه شريك الحياة في نفسه ، أو لباسه ، أو ميادين حديثه ، أو أسلوب تعامله ، وإدارته لمملكته ، أو قائمة طعامه . بل ومن التجديد تَلَمُّسْ المواقف والأحداث السعيدة لتحويلها إلى مصدر سعادة وسرور في الحياة الأسرية .

7- الملفات الخلافية المفتوحة التي لم تُغلق ، آن لها أن تُغلق بالتوافق بين الزوجين ، وطيبة نفس وأريحية ، فإنها إن لم تُقفل ، تبقى تحتل مكانة بارزة في ذاكرة شريك الحياة ، تَظهر بين الفينة والأخرى مسببة التوتر والضيق وعدم الرغبة في الحديث .

8- الحوار الهادئ الناجح سبب لاتفاق الأفكار والتوجهات والهموم ، فإن الزوج إذا لم يتواصل مع نصفه الآخر ، سيبحث عمن يتلاقح معه في الأفكار ، ويؤثر الصمت في البيت لعدم وجود موضوعات مشتركة هناك .

9- اهتمامات شريك الحياة وهواياته ومحبوباته ، منجم للالتقاء والتواصل والاستقرار ، ينبغي الاهتمام بالتعرف عليها ، والتصريح بمحبَّتها والإعجاب بها وتقديرها ، ثم العمل بهدوء على مشاركته فيها، ومكافأته على استجابته لأي عمل مشترك ، والدعاء له ، والثناء عليه، مع البعد التام عن تلك التي تحتاج منافسة مع الطرف الآخر .

إنه نداء لِكل مقبلين على الزواج ، لكل زوجين متحابين ، لكل زوجين لاحت في سمائهما سحابة التوتر والخلاف ؛ إنَّ في ( الاهتمامات المشتركة ) ملاذكما الآمن ، نقطة التقاء وتواد ، لينظر أحدكما في سيرة حياة الآخر ، في أي شأن من شؤون الحياة ، فيما يفيد المرء في دنياه أو أخراه ، وليعرض عليه مشاركته فيه ، وليعملا على تفعيل هذه الاهتمامات ، وتحويلها إلى واقع عملي في حياتهم اليومية .

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم