الأربعاء 29 مايو 2024 / 21-ذو القعدة-1445

الإرشاد الأسري حاجة أم تجارة..؟!



بقلم : اعتدال عطيوي

ظل المجتمع لفترة طويلة متهيبًا من مسمى الإرشاد الأسري، رافضين له بشكل سافر أو خفي باعتباره عند الأكثرية كشفًا للمستور من جهة، وانعدام الثقة في العاملين في المجال من جهة أخري وذلك اتكاء على إرث ثقافي لا يحبذ إظهار الأمور على حقيقتها. ولكن التداخلات والتغيرات الحضارية سواء كنا نعي حقيقة تأثيراتها الاجتماعية أو نتجاهلها فرضت واقعًا جديدًا وملموسًا يومًا وراء آخر. فقد زادت نسبة المشاكل الاجتماعية التي خرجت عن النطاق التقليدي للتشاور الأسري الذي لا ينتهي بعلاج حقيقي للمشكلة إنما إلى هدنة مؤقتة قد تؤدي إلى مزيد من تفاقم الأمور بحكم تكدسها وتراكمها عبر الزمن والأحداث. ولا نستطيع في هذا النطاق أن نتجاهل ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع خاصة بين حديثي الزواج، وحيرة الشباب المقبلين على الزواج من الجنسين من حيث انعدام تهيئتهم لذلك من كافة النواحي وتخبطات التكيف الناتجة من اصطدام الأدوار بين الزوجين والفجوة التي قد تحدث بين توقعاتهم وأحلامهم وواقع الحياة الذي يتطلب تحملًا كاملًا للعديد من المسؤوليات والأدوار.. كما ظهر تغييرًا واضحًا للأدوار حيث ساهمت كثير من السيدات في كيان الأسرة الاقتصادي دون أن تكون مشاركة في صناعة قراراتها المهمة. تخلي الكثير من أرباب الأسر عن مسؤولية الإنفاق وتحميلها بالكامل أو بنسبة كبيرة للنساء مما أدى إلى ارتباك الأدوار وتشوهها.. إضافة إلى مشكلة هروب الفتيات التي لم تدرس إلى الآن بشكل اجتماعي ونفسي معمق مما قد يزيد في تفاقمها. انتشار العنف الأسري تجاه النساء والأطفال بشكلٍ واضح وغير مسبوق في ظواهر متوالية لم يعرفها المجتمع من قبل، مما أبرز ضرورة إنشاء دور الحماية التي أسست على عجل لاستيعاب ضحايا هذه الظاهرة. الانشغال بالنفس والمتطلبات والطموحات الذاتية عن الرعاية الحقيقية للأطفال والاكتفاء بالوفرة المعيشية بكافة أشكالها الصالحة والطالحة كبديل للتربية. الإهمال الأسري والاعتماد بشكل كبير جدًا على العمالة المنزلية من خدم وسائقين في تلبية احتياجات الأطفال مما أنشأ أجيالًا رخوة تائهة لا تنتمي إلى إرثها وتقاليدها الاجتماعية. كل ذلك وغيره من مشكلات المجتمع أوجبت إيجاد مؤسسات وبرامج تعنى بالإرشاد الأسري والاجتماعي. وقد ظهر في الآونة الأخيرة الكثير منها وشاعت بشكل كبير، وهنا الوقفة المهمة، فرغم حاجة المجتمع كغيره من المجتمعات إلى هذه الخدمات والمؤسسات إلا أنها سلاح ذو حدين، حيث يجب أن يتولاها ذوو الاختصاص والخبرة المعمقة في هذا المجال وتكون تحت إشراف أكاديمي وعلمي ذو اعتبار، لأنها مسؤولية خطيرة لا يستطيع أن يقوم بها كل من يحمل مؤهل اجتماعي في علم الاجتماع أو النفس فقط، بل لا بد أن تكون خبرته في مجال محدد وأن يحصل على ترخيص مزاولة هذا العمل من الكليات والجامعات المعتمدة أو هيئة التخصصات الصحية أو غيرها من الهيئات العلمية.. لأن الإرشاد الأسري ليس بالأمر السهل الذي لا يتعدى النصائح والإرشادات العامة كما يعتقد كثير من الدخلاء في هذا المجال.. فهو علم عميق له اختصاصات كثيرة فهناك الإرشاد الزواجي، والإرشاد التربوي والموجّه للأطفال وآخر للمراهقين، وكذلك للأسر التي لديها مرضى أو مدمنين أو معاقين وتخصصات أخرى كثيرة لا يسمح المجال بسردها إلا أن كلًا منها يتطلب حذقًا وعلمًا وخبرة متخصصة. ومهمة المرشد الأسري شاقة فهو يتحمل مسؤولية تفسير السلوكيات وتوجيهها للفرد والأسرة وإرشادهم إلى أسلم السبل للسلوك التكيفي الناضج بعبارة أخري يغير في حياة فرد وأسرة ويساهم في رسم خارطة جديدة لسلوكهم فمن يتصدى لتلك المسؤولية دون اختصاص يعتب كمن ارتكب تعديًا على المجتمع. وهنا بيت القصيد، فقد استغلت حاجة المجتمع الملحة لهذا النوع من الخدمة الإرشادية وأنشأت الكثير من المراكز وأصدرت الكثير من البرامج من غير ذوي الاختصاص أو من أصحاب الخبرات المحدودة في مجالات معينة كالتربية وكلنا نعلم أن هناك فرقًا كبيرًا بين المدرس والأخصائي الاجتماعي الممارس للإرشاد الأسري. ولعل ما شجَّع على الانتشار الفوضوي لذلك أن فتح هذه المراكز لا يتطلب إلا سجلًا تجاريًا باعتبارها مشروعًا.. وهنا تكمن الخطورة فلا يمكن إطلاقًا المتاجرة في هذا المجال والتعامل مع المؤسسات المعنية بسلوك الفرد بمعايير التجارة بل لا بد أن تنقل تراخيص هذه المؤسسات إلى هيئات أخرى تشرف بشكل علمي ودقيق عليها فكل كلمة من المرشد أو الأخصائي الاجتماعي أو النفسي لها تأثير، أقول ذلك بناء على ما اختبرته لسنوات طويلة في هذا المجال، ويؤلمني حقًا أنه أصبح مسرحًا تجاريًا.

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم