الثلاثاء 25 يونيو 2024 / 19-ذو الحجة-1445

الأطفال المتسولون ـ الظاهرة والمخاطر الاجتماعية



الأطفال المتسولون ـ الظاهرة والمخاطر الاجتماعية

بقلم : أحمد فتحي النجار 
تعتبر ظاهرة تسول الأطفال من الظواهر الاجتماعية السلبية والدميمة والمرفوضة في كل المجتمعات، رغم تصاعدها الكبير في السنوات الأخيرة، وتصاعد مخاطرها بالتبعية على كافة الأصعدة العالمية والإقليمية.

والتسول ـ عموماً ـ يعتبر من أقوى وأقسى العناوين الصارخة التي تتحدث بكل فصاحة عن العوز الشديد والفقر المدقع، وضعف سبل العيش، واليأس في الحصول على الفرص التي تضمن للمتسول حياة آدمية، وقد يعبر التسول في حالات كثيرة عن خلل سلوكي جسيم يعتري بعض فئات البشر فيجعلهم يتجهون للتسول كوسيلة تضمن لهم أسباب الكسب السريع دون عناء ودون مشقة.
وتسول الأطفال عموماً له العديد من الأسباب والتداعيات التي تؤكد أن هناك الكثير من الخلل والتراجع الاجتماعي والسلوكي يطال هذه الفئة الرقيقة والضعيفة من صغار البشر، والتي يتطلب من أجلها التدخل الأهلي والخيري الإيجابي من أجل مواجهة مثل هذه الظواهر، ومحاصرة أسبابها، والقضاء عليها كلما أمكن دور الرعاية وإعادة التأهيل بالمملكة، فلقد أحسنت الكثير من الجمعيات والمؤسسات الخيرية بالمملكة العربية السعودية تحديداً في العمل الفعلي على الحد من الظاهرة التي انتشرت على أراضي المملكة من قبل الأطفال المتسللين من الشمال ومن الجنوب في السنوات الأخيرة،
ويعتبر الدور الذي قامت به جمعية البر بجدة دورا متميزا و يتبع أسلوباً علمياً ورائداً، فقد أعدت الجمعية، برؤية متميزة وواعية وإسلامية، داراً للإيواء وإعادة تأهيل هؤلاء المتسولين الصغار لمواجهة الحياة بشكل إيجابي قبل إعادتهم لأوطانهم، برعاية وتوجيه من صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ، وذلك في شهر شعبان من العام 1424هـ؛ من أجل إيواء الأطفال المتسولين ريثما يتم ترحيلهم بالتنسيق مع هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية أو الندوة العالمية للشباب الإسلامي، أو استلامهم عن طريق ذويهم.

فئات المتسولين
ومن خلال الملاحظات والقراءات الواقعية للأسباب الرئيسية التي تنتشر الظاهرة من خلالها، لتحديد مدى المخاطر التي تشكلها كل مجموعة أو كل فرد من أفراد الظاهرة الذين يعتبرون من الضحايا والجناة مستقبلاً، سواء أكانت هذه المخاطر وقتية أم مستقبلية متوقعة، سنجد أنها تنتشر عبر العديد من الطرق التي يتبدى فيها مدى تخاذل المجتمعات وجنايتها التي تجنيها من خلال عدم سعيها عبر مؤسساتها الرسمية والأهلية لمعالجة هذه الظاهرة، وإعادة توجيه هذه اللبنات الصغيرة توجيهاً إيجابياً يضمن للمجتمعات الوقاية من المخاطر التي قد تشكلها.

وفئات الأطفال المتسولين تتنوع كالتالي:
– الأطفال المتسللون: وهم فئة من الأطفال فوق سن السبع سنوات ودون الثامنة عشر؛ أي أنهم في سن التمييز، وهم يتسللون في الغالب بغرض الحصول على فرص العمل، ولكنهم يتعثرون ويمتهنون التسول تحت وطأة الحاجة المهلكة. وهذه الفئة تشكل خطورة كبيرة على المجتمعات التي تتسلل إليها، لا سيما إن كانت من المجتمعات المحافظة، كالمجتمعات الخليجية، فهذه الظاهرة أدعى للتقليد إذا لم يتم دحرها والقضاء عليها.

– الأطفال المستغلون: وهم فئة من أطفال الشوارع. والأطفال المشردون يتم استغلالهم من قبل أشخاص لديهم نزعات غير إنسانية مقابل إيوائهم في أوكار غير آمنة، وتقديم بعض الأطعمة والأشياء الأخرى، وهؤلاء الأطفال يكونون في أسوأ حال؛ نظراً لما يلاقونه من قهر وتعذيب يدفعهم للطاعة العمياء، وتنفيذ مطالب المستغلين الذين يتاجرون بطفولتهم وبراءتهم ليحققوا مكاسب مادية بطرق سهلة، وبأدوات بشرية.

-الأطفال المرضى وذوو الاحتياجات الخاصة: وهم فئة من الأطفال الذين ولدوا بإعاقات جسدية، وتم تهميشهم من قبل مجتمعاتهم، وإهمال مطالبهم الإنسانية إهمالاً جسيماً، بما يؤثر عليهم تأثيراً كبيراً قد يصل لدرجة الهلاك، ليكون التسول والكسب من خلاله أحد الأدوات التي قد تساعدهم على تحقيق بعض مما يتطلعون إليه من أدوية وعلاجات ومآرب إنسانية، مما يعجز الأهل غالباً عن توفيرها، فيكونون هم قوة الدفع التي تدفع هؤلاء الأطفال العجزة والمرضى لعرض معاناتهم وامتهان التسول ليكون هو دافعهم الأول على مواصلة العيش والاستمرار في هذه الحياة.
وقد يلجأ الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة والمرضى والعجزة لامتهان التسول على الدوام لتحقيق ذاتهم وإنسانيتهم المفقودة، و كلما زادت الهوة بينهم وبين مؤسسات مجتمعاتهم تخلت عن مسؤوليتها الإنسانية والأخلاقية تجاههم.

– الأطفال المتسولون بذاتهم: وهم فئة من الأطفال يلجأون، أو تدفعهم عادات أو سلوكيات اجتماعية بغيضة يكتسبونها في إطار الأسرة أو من خلال المدرسة، أو بأي من الوسائل المتاحة في عالمهم، نحو التسول، وهم فئة قابلة للتقويم إذا اتخذ حيالها الطرق التربوية والتقويمية العادية كلما كانت الحالة في بدايتها، وقد يحتاجون إلى الدعم وإعادة التأهيل والتقويم إذا كانت الحالة وصلت للمدى الذي تحتاج فيه للعلاج والتقويم.

المخاطر الاجتماعية لتسول الأطفال
تسول الأطفال يتنافى مع التكافل الذي يحض عليه الإسلام، ومن الطبيعي أن ينظر للمجتمعات التي تتبدى فيها ظاهرة تسول الأطفال على أنها مجتمعات قاسية وجافة لا تعمل على استيعاب وتلبية متطلبات أفرادها، لا سيما تلك اللبنات الصغيرة، وهي مجتمعات تبتعد كثيراً عن روح الإسلام وتعاليمه التي حضت على التكافل والرحمة بالصغير والكبير، فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(( ليس منا من لم يرحم صغيرنا )). ورحمة المجتمع بهذا المتسول الصغير تكون في العمل على إيوائه، وتعليمه، وتقويمه، وإعادة تأهيله لإعادة بثه بشكل إيجابي ليكون فرداً نافعاً لنفسه ولمجتمعه ولدينه.

الظاهرة أدعى للتقليد
التقليد واتباع السنن السيئة، لا سيما تلك التي ستحقق الكثير من المكاسب المشروعة وغير المشروعة، من طبائع الناس والبشر، وهذه الظاهرة بمجرد ظهورها في مجتمع ما، وتعاطف الناس معها، وتساهلهم مع المتسول، وتلبية احتياجاته تحت وطأة الرحمة واللين التي تحض عليها الأديان، بما يبديه في موقف مادي متميز، حتى وإن لم يبد عليه؛ ستكون أدعى للتقليد، بما يساهم في صناعة فئات وأجيال متعددة من المتسولين الصغار والكبار، المتطلعين لتحقيق المكاسب المادية بدون عناء أو مجهودات، سواء أكانت هذه الفئات الانتهازية، التي تستغل هذه البراءة وهذه الطفولة الغضة، من الأهل، أو من مجموعات تجار البشر التي بدأت تنتشر بصورة مؤلمة في أغلب المجتمعات المعاصرة.

التسول يساهم في صناعة جيل مستسلم
و” النشء إن أهملته طفلاً تعثر في الكبر، والتعليم في الصغر كالنقش على الحجر”.. البيت السابق ـ لأمير الشعراء أحمد شوقي ـ وهذه المقولة الخالدة يشيران معاً إلى حقيقة الحال وطبيعة المآل، بالسماح للأطفال الصغار بغزو المجتمعات للمتاجرة بحاجاتهم الإنسانية، وبإهمالهم الجسيم وعدم الانتباه إليهم، وتهميشهم بشكل غير آدمي، ليكون التسول هو الحرفة التي يحترفونها، والعمل العظيم الذي ينخرطون فيه. والتسول والكسب دون عناء ودون جهد يبطل لذة العمل والكفاح والحياة، فيصبح التسول هو الحيلة التي يلجأ إليها الطفل عندما يتخطى مرحلة الطفولة كلما تعثر وكلما واجهته المشكلات؛ بما يصنع منه إنساناً مستسلماً منكسراً، لا يقوى على مواجهة الحياة كباقي الأقران.
والانكسار من الأمراض الخطيرة التي تؤثر على المجتمعات، فتجعل أفرادها دائماً محبطين وغير متفاعلين، و بلا ثقة أو يقين أو قدرة في إمكانياتهم، وتبدو آثار هذه الأمراض بشكل أكثر قسوة في المواقف الحادة والقوية التي تتطلب الاندماج والالتحام من أجل المجتمع والأمة وقضاياهما، ليكون الانسحاب والتراجع هو الرد الطبيعي من قبل فئة نقشت الأيام على جباههم أدوات الاستسلام، وطرق التراجع والهوان، ولأنهم ربما لا يعرفون طرقا غيرها إن لم يتم إيواؤهم واحتضانهم.

التسول يحرض على العنف والجريمة
السرقة والعنف قد تكون من ردود الأفعال التي قد يلجأ إليها الطفل المتسول عندما يمتنع الأشخاص الذين يلجأ إليهم لينال حاجته، فيمتنعون لسبب أو لآخر، فيلجأ الطفل المتسول إلى السرقة بعدم إدراكه لماهية السرقة، وعواقبها الوخيمة على نفسه وعلى مجتمعه، وبرغبته الطفولية في الحصول على ما يرغبه بكل إصرار، وهو ما قد يكون يحتاجه ليسد جوعه أو رمقه، ويحفظ له حياته، وهذا قد يقود إلى العنف؛ ليكون رداً وجزاءً، لتكون الهوة بين هذا الطفل وبين مجتمعه بكل شخوصه، وبكل ما فيه، ليكون العنف المضاد من قبل الطفل المتسول هو رد الفعل الموازي أيضاً، ويكون المجتمع في النهاية هو الخاسر الكبير.
لذلك؛ فإن هناك الكثير من الضرورات التي تحتم على المؤسسات الأهلية والخيرية، بالتعاون مع المؤسسات الحكومية في كل بلدان المنطقة، للعمل على مواجهة هذه الظاهرة إن بدت، والحذر كل الحذر منها على الدوام.
والله من وراء القصد
تصميم وتطوير شركة  فن المسلم