الأربعاء 19 يونيو 2024 / 13-ذو الحجة-1445

إنها بنت أبي بكر رضي الله عنهما



إنه أنموذج نسائي فريد، خلقًا وعلمًا ونسبًا وفضلاً وكرمًا، صفحاته مشرقة كالضياء، يبهرك نوره، وتجد الروح في شعاعه هيبة المقام، وجلالة القدر، وبهجة النفس، حتى لتجدك أمام شخصية لم يكن اختيارها أن تلج بوابة التاريخ، وتعلو قمته الشاهقة، إلا بأمر إلهي كريم، وبصحبة خير من وطئ الثرى عليه الصلاة والسلام، وهذه السطور نوع من الدفاع توخيت فيه مادة مختصرة عزوتها إلى مصادرها من كتب الحديث بشكل موجز، علّها تصلح أن تكون نواة خطبة كريمة، أو درس مبارك، أو كلمة ميسرة، أو مشاركة علمية أو طلابية أو أي سبيل ماتع ينساق في ظلال حب أم المؤمنين الغالية على رسولنا الحبيب ‘ وعلى أمة أهل السنة والجماعة .

ما شَانُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وَشَانِي= هُدِيَ المُحِبُّ لها وضَلَّالشَّانِي

إِنِّي أَقُولُ مُبَيِّناً عَنْ فَضْلِها=     ومُتَرْجِماً عَنْقَوْلِها بِلِسَانِي

إنها أمنا وأم المؤمنين جميعًا عائشة بنت الصديق رضي الله عنها، تلك الصديقة التي يناديها النبي ‘ من شغفه بها يدللها فيقول : ( يا عائش ) و ( يا موفقة ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ، وناداها قارنًا اسمها بأبيها المحبب إلى قلبه ‘ فيقول : ( يا بنت الصديق) ، بل كان من فرط محبة النبي ‘ لها ولأبيها ـ رضي الله عنهما ـ كان إذا غارت زوجاته منها قال ‘: ( إنها بنت أبي بكر ) رواه البخاري، وكان لحمرة فيها يبهجها بخطابها : ( يا حميراء ) فلقد روت أم سلمة رضي الله عنها قالت : ( ذكر النبي ‘ خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة، فقالت : انظري يا حميراء، ألا تكوني أنت، ثم التفت إلى علي رضي الله عنه، فقال : إن وليت من أمرها شيئًا، فارفق بها ) رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط الشيخين .

ولقد طلبت أمنا عائشة _ من حبيبنا محمد ‘ أن يكون لها كنية كسائر زوجاته فكناها بأم عبد الله كما روى ذلك أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني.
أما أبوها فهيهات أن تسعف الكلمات في الحديث عن خير خلق الله بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أليس هو الصديق عبد الله بن أبي قحافة أول من أسلم من الرجال، وصاحب رسول الله ‘ المختار من سبع سموات في طريق الهجرة المباركة، وهو ظله في ذهابه وإيابه، وهو من أصر النبي ‘ على إمامته يوم مرضه فقال : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) رواه البخاري .
وإنه أول خليفة لرسول الله ‘ بإجماع المسلمين، ومن أجل علمائهم وأرحمهم بخلقه، وإن نسبه ليجتمع مع نسب النبي الكريم ‘ بمرة بن كعب، فنعم النسب الذي يتصل بنسب أشرف خلق الله، فهو خيار من خيار.
وأما أمها فهي أم رومان، وقد أسلمت قديمًا وبايعت وهاجرت، ولم تعقل عائشة _ أمها وأباها إلا مسلمين، فقالت : ( لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ) رواه البخاري .
فما أروع هذا البيت الذي نشأت فيه عائشة ~ منذ ولادتها ونعومة أظفارها، حيث لم تر  أفراده على جاهلية أو ضلال، بل إسلام وصلاح، وكأنها تُعد إعدادًا مبكرًا لحياة ملؤها النضال والجهاد والدعوة والكفاح من أجل الدين الحق والوقوف بكل جدية مع النبي الكريم ‘، لتكون له خير عون بعد الله تعالى في طريق تبليغ الشرع إلى الناس كافة، فكانت كما أراد الله تعالى، ولو لم يكن لهذا البيت إلا شرف الصحبة والعون في طريق الهجرة الخطير لكفاه شرفًا ورفعة إلى قيام الساعة، فكيف بتاريخ مديد من البذل والتضحية والفداء .
ولقد كان مولد أمنا عائشة ~ بعد البعثة بأربع سنين وقيل خمس فهي أصغر من فاطمة الزهراء ~ بنت النبي ‘ سنًا، ويقدر مولدها تقريبًا في عام 615 ميلادية .

وعاشت عائشة ~ في بيت أبيها رغيدة العيش حيث كان تاجرًا محببًا إلى قومه في الجاهلية والإسلام، ولذا كان للصديق سابقته العظمى في دعم مسيرة الدعوة بما أنفقه من ماله في نصرة الإسلام في مواقف عدّة .
ولكنها حينما انتقلت إلى بيت النبي ‘ انتقلت إلى حال ماديٍ آخر، حيث بدأت عيشة الكفاف، مستجيبة لأمر الله تعالى في قوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً } .
فلما نزلت هذه الآيات الكريمات عَرَض الرسول ‘ عليها هذين الخيارين، فأجابت بروح اليقين بما أعده الله للمحسنات من أمثالها فقالت : ( بل أريد الله، ورسوله، والدار الآخرة ) رواه البخاري .

حتى غدت عائشة ~ في قمة هرم العابدات الزاهدات في الدنيا وهي زوجة أفضل من حكم هذه الأرض من البشر، تقول ~ : (مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ ) رواه البخاري .
ولا تسلني كيف كان زواجها المبارك من الحبيب ‘، فقد كان الاختيار ربانيًا، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : ( أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ أَرَى أَنَّكِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ [ أي الشقق البيض من الحرير ] وَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ عَنْهَا، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَأَقُولُ : إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ) رواه البخاري .

فكانت خطبتها بعد وفاة أم المؤمنين خديجة ~ بسنتين تقريبًا، وكان عُمْر عائشة ~ بين السادسة والسابعة أو أكملت السابعة .
ودخل بها النبي ‘ بعد أن هاجر إلى المدينة، بل بعد أن نصره الله تعالى في غزوة بدر الكبرى، فتضاعفت الفرحة في قلب النبي ‘، تقول أم المؤمنين عائشة _ : ( تزوجني رسول الله ‘ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ‘ أحظى عنده مني، فكانت تستحب أن تدخل نساءها في شوال ) رواه مسلم .
زَوْجِي رَسولُ اللهِ لَمْ أَرَ غَيْرَه   اللهُ زَوَّجَنِي بِهِ وحَبَانِي
وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ الأَمِينُ بِصُورَتِي     فَأَحَبَّنِي المُخْتَارُ حِينَ رَآنِي
أنا بِكْرُهُ العَذْراءُ عِنْدِي سِرُّهُ    وضَجِيعُهُ في مَنْزِلِي قَمَرانِ

وعاشت الصديقة الطاهرة المطهرة ـ رضي الله عنها ـ عيشة الهناء والسعادة مع الحبيب المحبوب ‘ ، ليكونا أنموذجًا رائعًا للحب الحقيقي بين زوجين متآلفين، وكانت خير عون له بعد الله تعالى على انطلاقة مسيرة الدعوة، فلا يزال زواجها والدعوة إلى الله متزامنين، ولا تزال الدولة الإسلامية في طور الإنشاء والبناء والتشييد، تسخيرًا من الله تعالى لعبده ‘، لتقف هذه المرأة النجيبة مع هذا النبي الكريم ‘ صفًا إلى صف أمام المواجهات العنيفة التي تقف في وجهه، ولتكون له سلوةً صادقة في المواقف الصعبة المحزنة، ولتخفف عليه ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، ولم تكن يومًا من الأيام عبأً عليه، بل لم تكن تثقل عليه بطلب حاجاتها، ولم تطالبه بما كانت عليه من حياة العيش الرغيد في منزل والدها رضي الله عنه، بل تكيفت مع حياة أجل الدعاة، وفرّغته إلى ما أعده الله له، صابرة محتسبة محبة، وهكذا ينبغي أن تكون زوجة من يسر الله له خدمة دينه والناس .

أما منزلتها من رسول الله ‘فإنها قد بلغت مبلغ الروح من جسد النبي ‘ حتى ليعلم ما في خاطرها، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى ! قَالَتْ : فَقُلْتُ : مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ : أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ : لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ : لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ،  قَالَتْ : قُلْتُ : أَجَلْ ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ ) رواه البخاري .
أما فضلها : فقد قال فيه الحبيب ‘ : (إِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ) رواه البخاري .
وهل أعظم من أن تكون أحب الناس إلى رسول الله ‘ على الإطلاق، فعن عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : عَائِشَةُ، فَقُلْتُ : مِنْ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ : أَبُوهَا، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجَالًا ) رواه البخاري .

ومن فضائلها أن دفن النبي ‘ وصاحباه رضي الله عنهما في بيتها، فإنها تقول :
( رَأَيْتُ ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطْنَ فِي حُجْرَتِي ، فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، قَالَتْ : فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا ، قَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ : هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِكِ وَهُوَ خَيْرُهَا ) رواه الإمام مالك في الموطأ .
ولمكانها في قلب النبي ‘ كان الناس يحبون أن يهدوا هداياهم إليه وهو في يومها، فقد روت عَائِشَةَ ~ قَالَتْ : كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، … [ فلما طلب أم سلمة من النبي ‘ أن يهدى إليه في كل أيامه ] قَالَ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ ؛ فَإِنَّهُ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا ) رواه الترمذي وحسّنه .

بل بلغها النبي ‘ سلام جبريل عليها، فقد روت عَائِشَةَ قَالَتْ : ( أَوْحَى اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ فَقُمْتُ فَأَجَفْتُ الْبَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ،  فَلَمَّا رُفِّهَ عَنْهُ قَالَ لِي : يَا عَائِشَةُ إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ ) رواه النسائي .
لقد حظيت عائشة بملاعبة النبي ‘ لها، فقد روت عَائِشَةُ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ : وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِالْحِرَابِ ،وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ لِأَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ مِنْ بَيْنِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ ) رواه أحمد وإسناده صحيح.
ولقد حدثت عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله ‘ من مداعبته لها يتعمد شرب الماء من الموضع الذي تشرب منه، فقد روت ذلك عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَرْقَ فَأَتَعَرَّقُهُ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ ،وَيُعْطِينِي الْإِنَاءَ فَأَشْرَبُ ثُمَّ يَأْخُذُهُ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ ) رواه أحمد وإسناده صحيح.

بل إنه لا يصبر عن إظهار حبه لها ولو كان في أسفاره وغزواته، فهاهي ذي تحدث فتقول ـ رضي الله عنها ـ : ( خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ : تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي : تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ : تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ:  تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ،فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ بِتِلْكَ ) رواه أحمد، وصححه الألباني بمعناه .
ولهذا الحب الشديد من رسول الله ‘ اشتهرت بغيرتها عليه، ولم لا تغار عليه وهو خير البشر ‘، فقد حدثت عائشة ~ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا قَالَتْ : فَغِرْتُ عَلَيْهِ ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ : مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، أَغِرْتِ ؟ فَقُلْتُ : وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ ! ) رواه مسلم .

وهاهي ذي عائشة ـ رضي الله عنها ـ تتبادل مع حبيبها الشكوى بعد الله تعالى، والمرء لا يشكو لأحد إلا بعد أن تلتحم روحه بروحه، فقد ألمّ برأسها ألمٌ فصاحت بالنبي ‘ قائلة : ( وَارَأْسَاهْ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‘ وكان قد أرهقه مرض الموت : ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَا ثُكْلِيَاهْ … فَقَالَ النَّبِيُّ ‘ : بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ … ) رواه البخاري .
ولما مرض النبي ‘ ما أحب أن يكون إلا في بيت عائشة _ ، فعَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ : أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي ) رواه البخاري .
وحينما حانت ساعة الوداع لم تملك عائشة رضي الله عنها إلا أن ترد للنبي ‘ شيئًا من حنانه عليها ؛ فإنه حينما مَرِضَ مَرَضَ موته وثقل أخذت بيده لتصنع به مثلما كان يصنع بها في مرضها ، لكن لقاء الله كان أحب إليه من كل شيء ، حتى حكت عائشة رضي الله عنها منظر الوفاء هذا فقالت : ( إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‘ تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي ، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُالرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ‘ فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ ، فَقُلْتُ : آخُذُهُ لَكَ ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ ، فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، وَقُلْتُ : أُلَيِّنُهُ لَكَ ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ ، فَلَيَّنْتُهُ فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ ـ يَشُكُّ عُمَرُ ـ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ ) رواه البخاري .

فأي امرأة أجل، وأي نفس أعظم، وأي روح أزكى، من روح تستند إليها روح رسول الله ‘ وتكون آخر العهد بها في الدنيا، ألا ما أعظمك يا أمنا الحبيبة، وما أجل قدرك، وما أزكى روحك .
أما علمها، فأجل أن يحصر في سفر، أو تنقله الأمم، فهي العالمة الربانية، التي يفد إليها كبار علماء الصحابة للنهل من علمها، فعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ : مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا ) رواه الترمذي وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
و عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ : سَأَلْنَا مَسْرُوقًا كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ قَالَ : وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ رَأَيْتُ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ يَسْأَلُونَهَا عَنْ الْفَرَائِضِ ) الدارمي .

وهي رمز من رمز الفصاحة والبيان، فقد قال موسى بن طلحة : ( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ ) رواه الترمذي وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
ولم يشأ الله تعالى أن يترك حبيبة رسول الله ‘ تنال منها ألسنة المنافقين التي رمتها بالإفك إلا وبرأها الله تعالى بعشر آيات كريمات في سورة النور، تخلد ذكراها العطرة وتزكيها بتزكية الرب الكريم، وتبرئها كل البراءة من إفك المنافقين، حتى انطلقت تلك الكلمات النبوية التي أشهرت براءتها لسان رسلول الله ‘ وبوحي من الله ، فقال ‘ : (يَا عَائِشَةُ احْمَدِي اللَّهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ) رواه البخاري ، حيث نزل قوله سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
وتَكَلَّمَ اللهُ العَظيمُ بِحُجَّتِي     وَبَرَاءَتِي في مُحْكَمِ القُرآنِ
واللهُ خَفَّرَنِي وعَظَّمَ حُرْمَتِي    وعلى لِسَانِ نَبِيِّهِ بَرَّانِي
واللهُ في القُرْآنِ قَدْ لَعَنَ الذي     بَعْدَ البَرَاءَةِ بِالقَبِيحِ رَمَانِي
واللهُ وَبَّخَ مَنْ أَرادَ تَنَقُّصِي     إفْكاً وسَبَّحَ نَفْسَهُ في شَانِي
إنِّي لَمُحْصَنَةُ الإزارِ بَرِيئَةٌ      ودَلِيلُ حُسْنِ طَهَارَتِي إحْصَانِي
واللهُ أَحْصَنَنِي بخاتَمِ رُسْلِهِ    وأَذَلَّ أَهْلَ الإفْكِ والبُهتَانِ
وسَمِعْتُ وَحْيَ اللهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ    مِن جِبْرَئِيلَ ونُورُهُ يَغْشانِي

ولما حان احتضار أم المؤمنين ~ وتوافد عليها علماء الصحابة لم تكن تحب أن تزار خشية أن يثنى عليها زهدًا في الثناء وطلبًا للإخلاص لله تعالى ، فقد روى ابن أبي مليكة قال : قَالَ اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهَا عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، قَالَتْ : أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ، فَقِيلَ : ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَتْ : ائْذَنُوا لَهُ، فَقَالَ : كَيْفَ تَجِدِينَكِ ؟ قَالَتْ : بِخَيْرٍ إِنْ اتَّقَيْتُ، قَالَ : فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنْ السَّمَاءِ، وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ فَقَالَتْ : دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا) رواه البخاري .

وفي رواية أنه ذكرها أن رخصة التيمم التي كلنا ربما احتاج إليها كان ذلك بسبب بركتها، فقال : ( وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَكَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِكِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الرُّخْصَةِ ) رواه أحمد ، حتى قال لها أسيد بن حضير _ : (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ ) رواه البخاري .

ولقد كان صحابة رسول الله ‘ أشد غيرة عليها وعلى عرضها، ومن ذلك ما روى أبو إسحاق عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ­رضي الله عنه ـ فَقَالَ : ( أَغْرِبْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا؛ أَتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) رواه الترمذي وقال : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
توفيت أم المؤمنين وعمرها سبع وستون سنة أمضتها في خدمة الإسلام ونبي الإسلام ‘، وذلك في ليلة الثلاثاء السابع عشر في السنة الثامنة والخمسين للهجرة بعد مرض ألم بها .

فرضي الله عنها وأرضاها، ورفع منزلتها، وحشرنا في زمرتها مع الحبيب المصطفى، ورد كيد الكائدين في نحورهم .
إنِّي لأُمُّ المُؤْمِنِينَ فَمَنْ أَبَى     حُبِّي فَسَوْفَ يَبُوءُ بالخُسْرَانِ
اللهُ حَبَّبَنِي لِقَلْبِ نَبِيِّهِ         وإلى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ هَدَانِي
واللهُ يُكْرِمُ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتِي      ويُهِينُ رَبِّي مَنْ أَرَادَ هَوَانِي

ملحوظة : الأبيات من قصيدة ابن بهيج الأندلسي في الثناء على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .
تصميم وتطوير شركة  فن المسلم