الثلاثاء 23 أبريل 2024 / 14-شوال-1445

أخطأت لأهرب من بيت أهلي .



                                 أخطأت لأهرب من بيت أهلي .

السلام عليكم ورحمة الله ..
بعد الله لا أثق بأحد غيركم أستشيرهم في أمري ..فأنا في حالة إضطراب نفسي وأعيش في جو كئيب في البيت وأصبحت أبحث عن العزله ..

أنا فتاه أبلغ من العمر 26سنه خريجة بكالوريوس
منذ أن تخرجت وأنا أحلم بالزوج الذي يبعدني عن أجواء بيتنا وأحلم بالحياة السعيده التي غابت عن هذا البيت فأبي متزوج من ثلاث زوجات وكلنا في بيت واحد ..

في هذا البيت لا أحد يحب أحد وكلٍ يفكر بنفسه فقط ومشاكل لاتنتهي ابد ياقصور من أبي أو نكد من أمي …أصبحت لا أفكر إلا بالهروب من هذا البيت ولا وسيلة لي إلا بالزواج ولكني أصبحت بحالة يأس من هذا الأمر طال إنتظاري وأصبحت أكتئب كلما تذكرت أني لم أتزوج بعد ..
فلله الحمد لم ينقصني شي جمال وحسب وكمال والكمال لله …لكن النصيب متوقف جميع قريباتي واللآتي أصغر مني سنا تزوجوا وأنا باقية على حالي .. وأنا الآن أكلم شابا تعرفت عليه منذ 6 شهور وأصبحت على علاقة معه دون علم أهلي ..

شعرت أنه هو الأمل لي وطريق سعادتي بوجوده معي أصبح لي القريب والحبيب وأصبح يشاركني كل همي ..مع أني أعلم أن الطريق الذي أسلكه غير صحيح ومحرم ومن الممكن أن يقلب حياتي إلى أسواء الأحوال ..لكني لم أجد مايسعد قلبي في هذه الدنيا لم أجد بديل عن هذا الطريق …
سامحوني على صرآحتي ..فا أنا بحاجة نصحكم
أرجوكم فأنا كلي إحتياج لكم ولنصحكم ..أرشدوني ماذا أفعل أريد الإستقرار ؟؟؟أرجوكم لآ تتركونــي
اسم المستشير     سرآب

رد المستشار     د. صالح بن علي أبو عرَّاد الشهري

الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل ، والصلاة والسلام على خير معلمٍ ودليل ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم جيلاً بعد جيل ، أما بعد ؛

فإن من حكمة الله تعالى أن قدّر على الإنسان المسلم نوعًا من الابتلاء في أي شأنٍ من شؤون حياته ، فإن صبر واحتسب الأجر عند الله كسبه مضاعفًا بإذن الله تعالى ، وإن جزع ولم يصبر حُرم الأجر ولم يتغير حاله عما هو عليه ولا حول ولا قوة إلاّ بالله تعالى . وجوابي على ما جاء في استشارة الأُخت الكريمة يشتمل على جزئين هامين ، هما :

= الجزء الأول / من المعلوم أن الشيطان ( وهو العدو اللدود لابن آدم ) حريصٌ جدًا على أن يحرم الإنسان من أي سبيلٍ يمكن أن يحصل منه على الأجر والثواب من الله تعالى ؛ بأن يوسوس له بكثيرٍ من الوساوس التي يزينها للإنسان ( الضعيف ) فيستجيب لها ، وينجرف مع تيارها ، ويسير في ركابها ، علمًا بأنها وساوس شيطانيةٍ ماكرةٍ تُصد الإنسان عن سبيل الحق والهداية ، وتؤدي به إلى الهلاك والخسران الذي يقول الله تعالى في شأنه :  وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ  ( النمل : 24 ) .

ولعل خير دليلٍ على تلك الوساوس الشيطانية الماكرة التي تلعب برأسك ما تُعانين منه في عباراتك التي تقولين فيها : ( فأنا في حالة اضطراب نفسي ، وأعيش في جو كئيب في البيت ، وأصبحت أبحث عن العزلة ) .

وقولك في موضع آخر : ( أصبحت لا أفكر إلا بالهروب من هذا البيت ) .
وقولك في موضع ثالث : ( ولكني أصبحت بحالة يأس من هذا الأمر [ الزواج ] طال انتظاري ، وأصبحت أكتئب كلما تذكرت أني لم أتزوج بعد ) .

وقولك في موضع رابع : ( شعرت أنه هو الأمل لي ، وطريق سعادتي ، بوجوده معي أصبح لي القريب والحبيب ، وأصبح يشاركني كل همي ) .

وهنا أقول للأخت الكريمة مستعينًا بالله تعالى :

= احذري ثم احذري كيد الشيطان ومكره ووساوسه ، وإياك أن يُلقي بك هذا العدو اللدود إلى التهلكة والخسران المبين الذي يقول الله تعالى في شأنه :  اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ  ( المجادلة : 19 ) ، ويكون الحذر بكثرة الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم ، والمحافظة على الطهارة ، والحرص على أداء الصلاة .

= احرصي ( ولو على سبيل التجربة ) أن لا تُشغلي تفكيرك بمسألة الهروب أو العزلة أو الكآبة أو غير ذلك من التفكير السلبي الانهزامي الذي لا يمكن أن يكون حلاً ، ولكنه ( في حقيقته ) زيادةٌ في المتاعب وتعميقٌ للمشكلات ، واجتهدي في المقابل أن يكون تفكيرك إيجابيًا ( مهما كانت الظروف ) ، وأن يكون تفكيرًا تفاؤليًا وقائمًا على الأمل ، ولاسيما أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يُحب التفاؤل في كل شأنه كما صحّ عنه في الأحاديث الشريفة .
= اعلمي ( بارك الله فيك ) أن حياتك بما فيها من ظروف وأحوال ليست إلا نتيجةً طبيعيةً ، وترجمةً حقيقيةً لنظرتك الشخصية إليها ؛ فإن كانت نظرتكِ إليها نظرة إيجابية تفاؤلية جميلة كانت ( بإذن الله تعالى ) كذلك مهما تخللها من المتاعب والصعاب والمشكلات ، وإن كانت النظرةً سوداوية سلبيةً متشائمة كانت الحياة كذلك وإن جاءت زاخرة بأصناف النعم والنعيم ، وما ذلك إلاّ لأن ما يُفكر فيه الإنسان ولاسيما بشكلٍ دائمٍ ومستمرٍ ينعكس بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ على حياته ونظرته لها إما إيجابًا أو سلبًا .

= اجتهدي في عدم العزلة عن أهلك ومن حولك ، والبعد عن الوحدة ، وحاولي التقرب إليهم والاحتكاك بهم بلُطفٍ ومودةٍ ، وأكثري من التبسم في وجوههم ، واللين في التعامل معهم وإياك أن تتهربي من ذلك فالإنسان الطبيعي السوي في حاجةٍ ماسةٍ ولازمةٍ ومستمرةٍ إلى من يختلط به ، ويتعامل معه ، ويتحدث إليه ، ويسمع منه وهكذا .

= أما الجزء الثاني/ فيتعلق بقول الأخت :

” وأنا الآن أكلم شابا تعرفت عليه منذ 6 شهور وأصبحت على علاقة معه دون علم أهلي .. شعرت أنه هو الأمل لي ، وطريق سعادتي بوجوده معي ، أصبح لي القريب والحبيب ، وأصبح يشاركني كل همي .. مع أني أعلم أن الطريق الذي أسلكه غير صحيح ، ومحرم ، ومن الممكن أن يقلب حياتي إلى أسوأ الأحوال .. لكني لم أجد ما يسعد قلبي في هذه الدنيا ، لم أجد بديلاً عن هذا الطريق ” .

وهنا أقول للأخت الكريمة مستعينًا بالله تعالى :
= إن كل ما جاء في هذا المقطع يُنذر بخطرٍ كبيرٍ وشرٍ مُستطير ؛ فلا يمكن أن يكون علاج الخطأ بالخطأ مهما كان ، ولا يصح أن يكون إطفاء النار بالبنزين ، كما أنه لا يمكن أن يهرب الإنسان من الخطر ليلقي بنفسه إلى التهلكة ، والغريب أنك تقولين : ( مع أني أعلم أن الطريق الذي أسلكه غير صحيح ، ومحرم ، ومن الممكن أن يقلب حياتي إلى أسوأ الأحوال ) .

ومع ذلك تأتين هذا الخطأ الكبير الذي يُعد من خطوات الشيطان التي حذّرنا الله تعالى منها في قوله سبحانه :  وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ( البقرة : 168 ) . وما جاء هذا النهي والتحذير إلا لأن الشيطان يستدرج بها الإنسان حتى يوقعه في الخطأ خطوةً بعد خطوة ، وشيئًا فشيئًا ، ومن ثم يقترب الإنسان من الوقوع في الذنب والخطيئة التي تؤدي في النهاية إلى الهلاك والوقوع في المعصية والعياذ بالله .

ونصيحتي إليكِ – بارك الله فيكِ – أن تتوقفي ( حالاً ) عن هذه المكالمات ، وأن تقطعي كل أنواع الاتصال بهذا الشاب أو غيره ، وأن تحرصي على التوبة والإنابة وكثرة الاستغفار ، وهنا أركّز على ( الاستغفار ) الذي جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : ” من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجًا ، ومن كل ضيقٍ مخرجًا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ” .

فإذا كنت في حاجةٍ لأن يجعل الله لكِ من همومك فرجًا ؛ فعليك بلزوم الاستغفار والإكثار منه .
وإذا كنت في حاجةٍ لأن يجعل الله لكِ من ضيقتك مخرجًا ؛ فعليك بكثرة الاستغفار والمحافظة عليه .

وإذا كنت في حاجةٍ لأن يرزقك الله من حيث لا تحتسبين ولا تتوقعين ؛ فعليك بكثرة الاستغفار .

وختامًا / أسأل الله تعالى أن يغفر لنا وأن يوفقنا جميعًا لصالح القول والعمل والنية ، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

تصميم وتطوير شركة  فن المسلم