الجمعة 15 ربيع الثاني 1441 | 13 كانون1/ديسمبر 2019

في ضيافتنا

هكذا كانت البداية؟

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 
 

بقلم د.خالدبن سعود الحليبي


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الكريم ، وعلى آله ، أما بعد ..

     فـإن حاجـة الإنسان ليست محصورة فــي متطلبـات الجسد من مطعم ومشرب ومسكـن وملـبس، وإنما له حـاجات نفسية هي أعز عنده من تلك، وربمـا كانـت سببا في فقره في كل تلك الحاجات الجسدية ؛ فكم تسبـب الحرمان العاطفي في ضعف النـفـس وهوانهـا، وفشلها وتخلفها، وبطالتها وانحرافها. بل ربما تسبب في صناعة الجريمة، وتفريخ الرذيلة.

          ولذلك فإن الاستقرار الأسري هدف ينبغي أن يتخذه الغيورون على أوطانهم وأعراضهم شعارا يسعون لتحقيقه.

فمن رحم الأسرة المستقرة المستقيمة: يخرج الإنسان الناضج، الناجح في حياته، السوي فـي تصوراته، المحب لدينه ولوطنه، الذي يشعر بأنه جزء من الوطن فلا يؤذيه بنـشر صور الإرهاب المتلبس بالدين أو بالمخدرات أو بالاعتداء على أعراض الآخرين أو ممتلكاتهم، بل يرعاه بقلبه، ويفديه بنفسه.

        ومن خيمة الأسرة المستقرة: يخرج الموظف الهاديء  الروح، الغزير الإنـتـاج، المتقـن لعملـه، المتـسـم بالمعاملة الحسنة لمراجعيه ورؤسائه ومرؤوسيه.

       ومن كنف الأسرة الواعية: يخـرج الأب الحـريص على تربية أولاده على معالي الأمور، وتسنم سلم النجاح.

وفي عشِّ الأسرة الحانية: يتوحد الزوجان اللذان يحترم كل منهما الآخر، ويتعاونان على صناعة السعادة في بيتهما في أجواء المحبة والمودة والرحمة والبناء للمستقبل.

        جاءت فكرة إنشاء مركز التنمية الأسرية، لتشمل خدماته الإنسانية الأسرة بكل فئاتها الاقتصادية؛ ساعيا إلى تثبيت دعائم خيمتها الضافية، بأساليب علمية مدروسة.

        ومن خلال دراسة المجتمع السعودي، تبين أن نسبة الطلاق أخذت تزداد في الفترة الأخيرة؛ حتى أصبحت تمثل حوالي خمس حالات الزواج في بعض المناطق، وربعها بل ثلثها في مناطق أخرى؛ فهي تنذر بخطر جسيم، ينبغي السعي الحثيث للحد منه.

فإن الطلاق قد يؤدي إلى الفقر، وإلى الانحراف، وإلى الجنوح والجريمة، وإلى الخلافات المستعصية بين الأسر حول الأولاد والنفقة والحقوق، وإلى الانكسار النفسي والاكتئاب، وإلى العنوسة، وإلى النظرة الانتقامية من المجتمع كله، وإلى التأخر الدراسي، ومن ثم التخلف الوظيفي، ومن ثم البطالة، إلى أمور كثيرة في غاية الخطورة.

        ولذلك فإنه مهما بذل في سبيل الحد منه من الجهد والمال فإنه سيكون استثمارا حقيقيا للموارد البشرية والمادية من جانب، وحفاظا عليها من جانب آخر.

لقد كانت البداية بقرار من جمعية البر بالأحساء بموافقة سمـو رئيـس مجلسهـا الأمير بدر بن محمد بن جلوي محافظ الأحساء حفظه الله على إنشاء المركز في الأحساء في شهر محرم عام 1426هـ.

وكانت الفكرة قد بدأت ـ كذلك ـ في الدمام بتحويل مشروع تيسير الزواج إلى مركز التنمية الأسرية بأمر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز أمير المنطقة الشرقية في العام والشهر نفسه.

        وإن التجربة القصيرة جدا التي مر بها المركز في الأحساء، تشير بوضوح إلى تقبل منقطع النظير للفكرة من المجتمع، وناتج وجدوى تمثلت في انخفاض نسبة الطلاق إلى 14% فقط، بعد أن كانت قبيل المركز 20%. إلى جانب تطور الأسلوب التربوي، وارتفاع مستوى التعامل الأسري، وانتشار الحوار محل الشجار، وتناقص أعداد القضايا الأسرية في المحافظة، والمحكمة، وغيرها من الدوائر المختصة.

كما كان للمشاركة الفاعلة من المختصين في المجالات الشرعية والقضائية والاجتماعية والنفسية والتربوية مـن شتى المؤسسات الحكومية أثر كبير في الوصول إلى تلك النتائج المبهرة.

لقد تميز المركز بين أمثاله في المملكة بأنه يجمع بين التوعية الاحترافية، وعلاج المشكلات الأسرية بوسائل متقدمة، والدراسة المختصة للمجتمع للوصول إلى معـرفـة دقيـقـة بأدوائـه وأسبـابهـا لعلاجها . كل ذلك في إطار واحد؛ لتكتمل الطريق للوصول إلى أسرة سعيدة آمنة.

ثم جاءت لجنة التكافل الأسري بإمارة المنطقة الشرقية عام 1430هـ؛ لتكون انطلاقة خير وبركة على هذه المنطقة، حيث تبنت الفكرة، وأصدر سمو أمير المنطقة الشرقية توجيها بإنشاء مراكز مثيلة في جميع محافظات الشرقية؛ لتكون أول منطقة في بلادنا الحبيبة يكتمل فيها عقد المراكز الأسرية، ولتكون اللجنة حلقة الوصل بينها، والمنسقة لجهودها، والداعمة لمسيرتها، بقيادة أميرها وفقه الله لكل خير؛ ففتح المركز في حفر الباطن قبل ذلك، ثم في الجبيل، ثم في الخفجي، ثم في القطيف، ثم في كل من الخبر والنعيرية ورأس تنورة وإبقيق؛ تلك عشرة كاملة، نسأل الله تعالى أن يضع فيها البركة.

        ورحلت الفكرة إلى عدد من مدن المملكة؛ فبعضها قام، وبعضها في طور الإعداد، وبعض أنشئ إنشاء، وبعضها تحول من لجنة أو مشروع أو نحوه إلى مركز التنمية الأسرية؛ مثل: المجمعة، وتبوك، والمدينة، وصبيا، وجدة، ولعل الفكرة تتغلغل في كل حي من أحياء بلادنا الحبيبة؛ لتقدم خدماتها الإنسانية العالية، وتعيد الأسرة إلى هدي الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في علاقته بزوجاته وأولاده وأرحامه، في ظل أسرة سعيدة.

        شكرا لله تعالى على تيسيره، ثم لكل من يدعم مشـروعات الخيـر فـي بلـد الخيـر، من قمة المجتمع؛ ولاة الأمور حفظهم الله تعالى إلى كل فرد من أهل المعروف.

 

                        وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طباعة