الإثنين 18 ربيع الثاني 1441 | 16 كانون1/ديسمبر 2019

أفياء تربوية

هل «الوتساب» جعل أطفالنا أيتاماً؟

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

مقالات كثيرة كتبت في القديم القريب حول تدخل الخدم في تربية الأبناء بعدما انتشر الخدم في بيوتنا، ومقالات قبلها كتبت حول عمل المرأة وانصرافها عن تربية أبنائها أو انشغال الأب وعدم متابعة أبنائه، واليوم صرنا لا نتكلم عن الخدم ولا عن العمل والإهمال التربوي، وإنما صار اهتمام الوالدين معلقا بوسائط التواصل الاجتماعي حتى انصرف الوالدان عن الاهتمام بأبنائهما والانشغال بتربيتهم وحسن توجيههم، فكثير من الآباء والأمهات انشغلوا بوسائل التواصل المجانية مثل (الوتساب، التانغوا، الفايبر، السكايب) أو بشبكات التواصل الاجتماعية مثل (الإنستغرام، التويتر، الكيك، الفيس)، ولعل أكثر ما يأخذ وقت الوالدين اليوم (الوتساب) و(الإنستغرام)، حتى صار هذا الجيل يوصف بجيل (الرقبة المنحنية) من كثرة انحناء الرأس على الهواتف الذكية، وصار (الوتساب) اليوم يدير أوقاتنا حتى افقدنا الإحساس بطعم الحياة والتأمل بالطبيعة والتفكر بمجريات الأحداث والتركيز على الأهداف والاستمرار في الإنجاز.

فصار هم الواحد منا اليوم نقل الأخبار والأحداث التي من حوله أكثر من أن يتفاعل مع الحدث الذي أمامه، فلو رأى حادث اصطدام بين سيارتين فيكون أول ما يفكر فيه نشر الخبر قبل أن يفكر ويبادر في مساعدة المصابين، بل وقد تجد شخصا جالسا في غرفة العناية المركزة بقرب أبيه أو أمه في لحظات حياتهما الأخيرة ويكون مشغولا بنقل أخباره من خلال الوتساب أو الإنستغرام أكثر من انشغاله بالدعاء لهما أو الاهتمام بهما، وقد تجد أطفالا يسرحون ويمرحون في البيت من غير توجيه وتربية بينما تكون أمهم بغرفة نومها ترسل الصور أو مقاطع الفيديو بالوتساب وأبوهم يكون مشغولا بإرسال الطرائف والنكت لأحبابه بالوتساب.

بعض الآباء والأمهات يشتكون من انشغال أبنائهم بوسائل التكنولوجيا ولو راقبوا أنفسهم لوجدوا أنهم مشغولون بالوتساب أو التصوير والنشر بالإنستغرام أكثر من انشغال أبنائهم بالتكنولوجيا، حتى صرنا في زمن يحق لنا أن نصف أبناءنا بأنهم (أيتام التكنولوجيا)، فصار التعلق بالهواتف الذكية سمة العصر، وأذكر أنه في يوم من الأيام قالت لي امرأة: أمنيتي في الحياة أن أكون هاتفا ذكيا حتى يمسكني زوجي وأبنائي طوال اليوم، فابتسمت من تعبيرها هذا في وصف الحالة التي نعيشها، ورجل من يومين كان يشتكي لي من شدة تعلق زوجته بصديقاتها بالوتساب وبنشر أخبارها عن طريق الإنستغرام وكل ذلك على حساب الاهتمام بالبيت وتربية الأبناء ومتابعة دروسهم.

ومن شدة تعلق الوالدين بالتكنولوجيا السريعة والهواتف الذكية صاروا يريدون أن يعالجوا مشاكلهم التربوية بنفس إيقاع التكنولوجيا السريع، ويحسبون أن المشاكل التربوية مثل تسخين الطعام «بالمايكروويف» تعالج بشكل سريع وبجلسة واحدة أو توجيه واحد، إن «التربية الميكروويفية» هذه يستحيل تحقيقها لأن الإنسان ليس آلة أو ماكينة وإنما يحتاج لصبر وتكرار توجيه ودقة متابعة ومرونة في التعامل معه من أجل تقويم سلوكه وحسن تربيته

لقد فقد الوالدان اليوم السيطرة على تربية أبنائهما في الطعام واللباس والأخلاق والمهارات بسبب كثرة انشغالهما بأنفسهما والتكنولوجيا التي بين أيديهما، وصار الأبناء يعانون من السمنة وسوء التغذية وفقدان الشهية وكثرة الأمراض النفسية والعنف بسبب انصراف الوالدين عن الاهتمام بهم على حساب الوتساب الذي يتداول يوميا ما لا يقل عن 27 مليار رسالة، حتى صار «الوتساب» مكانا خصبا للفضائح وكشف الأسرار والتهديدات والطلاقات وإخراج كل العواطف المكبوتة ورؤية المشاهد الإباحية.

ومن يومين تحدثت لجمهور الكيك حول موضوع «أمي وأبي أونلاين online» وأغلب المتابعين من شريحة الشباب والفتيات، وقلت لهم إن الوالدين صارا أونلاين مع أصدقائهما وعلاقاتهما أكثر من أبنائهما، ثم قلت لهم مازحا: أما مع أبنائهما فهما «أوفلاين ofline»، وفي خلال ساعات قليلة حاز الموضوع أكثر من 4000 إعجاب وأكثر من 100 تعليق من الأبناء والبنات، ولفت نظري بعض التعليقات على هذا الموضوع، مثل: قال الأول: «هم كانوا يقولون لنا: أتركوا الجوال والحين صاروا زيّنا»، وقال الثاني: «حتى خدامنا صاروا مثل أبونا وأمنا»، وقال الثالث: «أمي تركت الاهتمام بنا وببرامجها التلفزيونية وصارت 24 على الوتساب»، وقال الرابع: «وأبوي عنده صديقات وعلاقات وهو مدمن على الوتساب»، وقالت الخامسة: «أمي مشغولة بالوتساب وأبوي بالسفرات والاستراحات»، وقالت السادسة: «إذا بغيت شيء من أبوي أرسل له رسالة بالوتس، ولا يرد علي إلا بعد ساعة، ولو كانت الرسالة من أصدقائه يرد عليهم بسرعة»، وكتبت إحدى الأمهات: «كلما أمسكت هاتفي يتحرك ولدي الصغير ويغطي الشاشة بيده وينظر إلي كأنه يقول لي أنا أهم»، فهذه بعض المشاركات حول إدمان الآباء والأمهات على «الوتساب» ووسائل التواصل الاجتماعي، وواضح من هذه العينة العشوائية حجم المشكلة التي نعيشها في بيوتنا وانصراف الوالدين عن الهدف الأساسي من الزواج وتكوين الأسرة وهو التربية.

نحن لسنا ضد استخدام وسائل التواصل أو تكنولوجيا الاتصال، ولكننا مع تحديد الأولويات في الحياة الاجتماعية، وأكبر أولوية هي بناء أسرة مستقرة وسعيدة ومترابطة وهذا الهدف لا يأتي إلا «بالاهتمام التربوي والحوار وإشاعة الحب» وهذه الثلاثية تحتاج وقتا حتى تتأسس في الأسرة، وأختم بتعليق من أحد الآباء بأنه اقترح على عائلته أن يخصص يوم من غير استخدام الهواتف الذكية وقد نجح كما يقول في تطبيق هذه التجربة، ولكن المهم ألا يكون «الوتساب» أهم من أبنائنا.

طباعة