الإثنين 18 ربيع الثاني 1441 | 16 كانون1/ديسمبر 2019

أفياء تربوية

التربية.. اهتمام

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

إنّ في إمكاننا القول: إنّ (الاهتمام) في أمور التربية وفي غيرها يشكل واحداً من أكبر الفضائل الإنسانية، ونحن نعرف من تجاربنا الشخصية: أنّ المسائل المعقدة تذلّل وتصبح سهلة حين نهتم بها، ونعرف أنّ الأمور اليسيرة والسهلة تصبح صعبة وخطرة من خلال إهمالها والتواني في معالجتها، وفي اعتقادي: أنّ تربية الأبناء من القضايا التي تحتاج إلى درجة عالية من الاهتمام واليقظة والمتابعة، فالعالم من حولنا يتغير، وتأثير الثقافات الأجنبية في أبنائنا يزداد، وأبناؤنا أنفسهم يكبرون وينتقلون من طور إلى طور، ومن مرحلة عمرية إلى مرحلة أخرى، ولكلّ مرحلة معطياتها وحاجاتها ومشكلاتها، ونحن مطالبون بوعي كلّ ذلك، وحتى نعيه، ونحسن التعامل معه، فإنّنا نحتاج إلى الاهتمام، ولهذا فإنّنا لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنّ التربية اهتمام؛ لأنّه فعلاً لا تربية من غير اهتمام.

وهذه بعض الإشارات السريعة في هذه القضية المهمة:

عالم يتغيّر:

إذا قلنا: إنّ عالمنا يتغير؛ فإنّنا لم نفعل شيئاً، لأنّ العالم ما فتئ يتغير، لكن علينا أن نقول: إنّ التغير في عالمنا يتعرض لانفجار، حيث يخرج التغيير عن النظام الضابط له؛ ليصبح شيئاً شبيهاً بالفوضى العارمة، وإنّ في إمكاننها فهم ملامح التغيير الحادث الآن إذا ملكنا فضيلة الاهتمام بمتابعة التقلبات السريعة الحادثة الآن، وقراءتها من أفق ثقافة تربوية جيدة.

إنّ من المهم أن يدرك الآباء والأُمّهات أنّنا نعيش في ظل حضارة تقوم بعملية استبدال واسعة للكثير من القيم، إذ إنّها تؤكد على الجمال والقوة والإثارة والإغراء والمتعة وإنعاش المزاج والأنانية والمكاسب الشخصية، وتحاول إحلالها في محل الفضيلة والاحتشام والتواضع والتعقل والمشاركة والعطاء...

إنّ لدينا جيلاً جديداً يمكن أن نسميه: (جيل التلفاز)، جيل لا يرى على الفضائيات إلّا القليل من الدعوة للمثل العليا، والأخلاق الحميدة، وحين يدخل أبناء هذا الجيل في مرحلة المراهقة يكتشفون أنّهم لا يملكون إلّا القليل من المعتقدات، ومن القيم التي تمكِّنهم من صياغة إطار للعيش الكريم، وللتطور الرشيد.

إنّ علينا أن نفتح عيوننا جيداً كي نرى التغيرات البطيئة التي تُحدِيها العولمة في بيئاتنا الثقافية، بل إنّ العولمة تعمل في الحقيقة على صياغة بيئات ثقافية جديدة يتراجع فيها مفهوم التواصل والتراحم والجيرة ومسرات اللقاء بالأهل والأحبة والأصدقاء، ويتقدم مفهوم المسرات الشخصية التي يحصل عليها المرء في أوقات العزلة، وخلف الأبواب المغلقة، وقد وصفت هذه الوضعية كاتبة غربية حين قالت: منازل أنيقة، وشوارع جميلة وشرفات مريحة، ولكن بلا ناس! نحن لم نبلغ هذه الدرجة من موت الروح الجماعية، لكن لا أحد يستطيع القول: إنّنا نتقدم في اتجاه معاكس لهذا!

اهتمام المربي بهذا يملي عليه أن يحاول إنعاش القيم والمعتقدات الإسلامية داخل نفوس الأطفال من خلال الجو الأسري الذي تتعاون الأسرة كلّها على تكوينه، ومن خلال اختيار رياض الأطفال والمدارس التي تربي الصغار على الأخلاق الإسلامية الفاضلة، وإنّ الغفلة عن فهم ما يجري حولنا ستعني حدوث خسائر ليس هناك أي سبيل للتعويض عنها.

الوعي بمسار الأسرة:

إنّ جزءاً كبيراً من اهتمامنا ووعينا ومتابعتنا ينبغي أن ينصب على إدراك المسار الذي تمضي فيه أسرنا من خلال طرح بعض الأسئلة المهمة، ومحاولة الإجابة عليها، ومن تلك الأسئلة:

  • ·      هل لأسرتنا مسار حياتي واضح تمضي فيه، وهل هناك اتفاق بين أفراد الأُسرة على معالم ذلك المسار؟
  • ·      هل ما زالت أسرتنا تمضي في هذا المسار، أو أنّها صارت تخرج عنه في بعض الأحيان؟
  • ·      هل جانب التعبد والتمسك بالسنن والآداب الإسلامية يتقدم داخل الأسرة، أو يتراجع؟
  • ·      هل ما زال التفوق الدراسي للأبناء هدفاً واضحاً وحاضراً؟
  • ·      اسأل كلّ واحد من أفراد الأسرة: ما الشيء الذي يدعو في أسرتكم إلى الاعتزاز والافتخار؟
  • ·      هل الأسرة تزداد تماسكاً؟ وهل هناك تضامن قوي بين أفرادها؟

هذه الأسئلة – وأخرى مثلها – لا يلقيها إلّا المربي المهتم والحريص والخطوة الثانية بعد إلقائها تتمثل في جمعها والتأمل فيها، ثمّ مناقشتها مع مَن يمكن أن يشترك في مناقشتها من الأبناء، ومحاولة الانتهاء إلى ملاحظات وأفكار يتم تجديد مسار الأسرة في ضوئها.

كن قريباً:

إذا لم يعن الاهتمام بتربية الأبناء القربَ منهم، والحرص على تفهم مشاعرهم ومشكلاتهم؛ فإنّه في الحقيقة لا يعني أي شيء.

مشاغل الحياة في ازدياد، وتكاليفها في تصاعد، وهذا أدى إلى أنّ كثيرين منّا وجدوا المسوّغ للانشغال عن أولادهم وأزواجهم، لكن علينا ألا ننسى – أيضاً – أنّ المشكلات والتحديات التي صار الأولاد يواجهونها أكثر بكثير من السابق، أي في الوقت التي زادت فيه حاجات أبنائنا إلينا كثرت المشاغل التي تصرفنا عنهم!

حين يكون أولادنا صغاراً؛ فإنّهم قد لا يحتاجون إلى أكثر من وجه يبتسم في وجوههم، ويد تربت على ظهورهم، لكن حين يدخلون في طور المراهقة؛ فإنّهم يحتاجون إلى جلسات طويلة، وإلى عناية مركزة وطويلة ومتواصلة.

بعض الأبناء يتعرض لتشوه نفسي صامت دون أن يشعر أحد بسبب الإحباط الذي يواجهه في الدراسة، أو في إخفاقه مع أصحابه وزملائه، أو بعض تجاربه الفاشلة...

القرب من الأبناء يعني: بناء علاقة ثقة ومودة معهم، وهذه العلاقة يتم بناؤها عن طريق التحدث معهم في كلّ الأمور التي تعنيهم مهما كانت صغيرة وغير مهمة، وحين تقوم تلك العلاقة يبدأ الأولاد في تحديثنا عن القضايا الكبرى والمهمة التي تزعجهم، كما أنّهم يبدأون في التحدث عن طموحاتهم وأحلامهم حتى يستفيدوا من خبراتنا وتجاربنا.

تدل شواهد كثيرة على أنّنا لا نستطيع فهم حاجة الأبناء إلى حضورنا إلى جانبهم واقترابنا منهم إلّا إذا تذكرنا ألوان المعاناة، وأشكال الأسئلة التي واجهناها حين كنا مثلهم، دون أن نجد من يمد لنا يد المساعدة، لكن يبدو أنّنا معاشر الكبار نعاني من تراجع سريع في الذاكرة، فلا نتذكر الحال التي كنا فيها حين كنا صغاراً!

كثيراً ما تفسد علاقتنا مع أبنائنا بسبب سوء تصرفاتهم معنا، وخروجهم عن الآداب المرعية في التعامل مع الآباء والأُمّهات، لكن علينا أن نعرف أنّ عقول الأطفال لا تنضج نضوجاً كاملاً إلّا في سنوات المراهقة المتأخرة، أو ما بعدها، وإنّ جزء المخ الذي يُملأ أخيراً هو الجزء الذي يقوم باتخاذ القرار، ويتحكم بالمشاعر، وهو مايفسر احتمالات ميل سلوك المراهقين إلى العنف والتخبط، كلّ واحد من الأبناء يحتاج إلى جلسة خاصة مع والده بين الفينة والفينة، وكلّ واحدة من البنات تحتاج إلى جلسة خاصة مع والدتها بين الفينة والفينة، وفي تلك الجلسة يتم التحدث في كلّ شيء ببساطة وسهولة وصدق وصراحة تامة، ولعلّ من الأمور التي يمكن التحدث فيها الآتي:

  • ·      نظرة الابن لوضع الأسرة، وما لديها من إيجابيات وسلبيات.
  • ·      الوضع الدراسي للولد، واتجاهاته العلمية، ونظره للتخصص في المستقبل.
  • ·      تدينه والتزامه بآداب الشريعة، وصلته بالله – تعالى –، وسعادته، واطمئنانه النفسي، والشعوري.
  • ·      الأشياء التي تقلقه، وتُدْخل عليه النكد والاضطراب.
  • ·      طموحاته وآماله على صعيد النجاح الشخصي، وبناء أسرة في المستقبل.

في جلسات الصداقة والمفاتحة هذه، يُستَحَبّ دائماً أن تكون عفوية، وتعلوها روح السرور والطرفة والبساطة والتفاؤل والإيجابية، وأن يتحاشى المربي أن يكون فيها أي نوع من القسر والإكراه، حتى لا تفقد معناها، وتصبح عقيمة، إنّ علينا أن نقاوم دائماً ما يمكن أن نقع فيه دون أن نشعر من المبالغة في النصح والتحذير والتهديد وإثارة المخاوف.

بعض الآباء شُغلوا بتأمين لقمة العيش لأبنائهم، فلم يجدوا الوقت للتواصل معهم، وبعض الناس مشغولون بتثمير أموالهم، فهم في أسفار شبه دائمة، وفريق ثالث مشغول بنفسه ومتعه وأهوائه، وهناك فريق رابع ليس هنا ولا هناك إنّه حاضر، غائب، موجود، وليس موجوداً، فهو بين أولاده ومع أسرته، ولكن التواصل معهم معدوم، فلا يعرف عن أولاده إلّا أقل القليل! هؤلاء جميعاً كثيراً ما يفاجئون بفشل أبنائهم في الدراسة، وبانحرافهم عن الطريق السوي، ويصحون في الغالب متأخرين، وكثيراً ما يحاولون عمل شيء، لكن يجدون – مع الأسف – أنّ الفرصة قد فاتت، وأنّ أوان الرعاية والتهذيب قد مضى، وليس أمامهم سوى الاستسلام، وإن أحبوا فبكاء الأطلال!

فهل نبدأ من اليوم بأخذ العبرة، وإعداد العدة لبناء أسرة أفضل، واهتمام أكبر بفلذات الأكباد؟ هذا ما نرجوه.

المصدر: كتاب القواعد العشر (أهم القواعد في تربية الأبناء)

طباعة