الأحد 10 ربيع الثاني 1441 | 08 كانون1/ديسمبر 2019

أفياء تنموية

كيف يركز الناجحون ؟

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

من عادة الفاشلين: اللامبالاة، وعدم الاهتمام، ولهذا يبدو الواحد منهم بطيئاً في السمع أو البصر.. فهو لا يسمع الكلام في أوّل مرة، ولا يرى الشيء بوضوح من أوّل نظرة.. وبسبب ذلك يوصف بأنّه شارد الذهن، أو بطيء الفهم، أو أحمق.. "إنّ عادة شرود الذهن عقبة في سبيل تقدم الإنسان ونجاحه في الحياة".. ومن دراسة هذه المشكلة بين شبابنا اليوم، ظهر: "أنّ 67.1 بالمائة منهم ينتابهم الشرود الذهني..".

أما الناجحون فمن عاداتهم أنهم يستطيعون جمع شتات حواسهم وتسليطها على قضية معينة.. كما يفعل الطفل حين يركز حواسه على لعبة بين يديه، ولتكن سيارة أو حجراً، أو قطعة من خشب، وقد يبلغ به التركيز إلى درجة تجعله يكلّم الحجر.. وهذا من الأمور التي دعت الفيلسوف هكسلي إلى الاستنتاج أنّ الطفل نابغة إلى أن يبلغ العاشرة من العمر..

وعن هذا التركيز قد تنبثق طاقات يصعب على الإنسان أن يتصور مدى قوتها.. فشعاع الشمس، مهما كان ضعيفاً، حين يجمع في بؤرة (عدسة لامّة) ويسلط على نقطة واحدة فوق سطح ورقة، أو قطعة قماش، تتضاعف حرارته في تلك النقطة حتى تحرق النسيج فيها.. كما أنّ تجميع البخار وحصره في مكان مغلق يجعل قوته هائلة، تدفع القطارات الثقيلة التي تزن العديد من الأطنان.. كذلك هي الطاقات البشرية، مهما بدت ضئيلة، إن تركزت على نقطة واحدة، انبثقت عنها قدرات هائلة تكاد تصنع المعجزات أو تحقق المستحيل..

عادة مكتسبة:

يبدو أنّ قابلية التركيز موجودة لدى كلّ طفل، تتثبت عنده وتتبلور بعد العاشرة من عمره، حتى تصبح عادة كأي من العادات التي يحصل عليها الإنسان من طريق الممارسة والمران.. والفرق بين تركيز الطفل وتركيز الرجل الناضج، هو كالفرق بين رسوم الأطفال ورسوم الفنان الإسباني بيكاسو.. وقد سُئل هذا الأخير يوماً عن ذلك الفرق فأجاب: الفرق بسيط جدّاً.. الطفل يرسم ولا يدري ماذا يصنع، وأنا أرسم مثله ولكني أدري ماذا أصنع.

وعادة التركيز، متى أصبحت أداة طيّعة في يد الفرد، صارت جزءاً من طبعه، أو ملكة من ملكاته. والملكات لا تحصل إلّا بتكرار الأفعال.

وقد تتمكّن هذه الملكة من نفس الإنسان حتى تجعله يهمل حاجاته الحياتية الأخرى التي يضعها يونغ.. في المرتبة الأولى، ويضع ما عداها، كالإبداع والعمل الفكري، في المرتبة الثانية.. إذ يرى أنّ الطاقة النفسية المتاحة للشخصية تستخدم في هدفين عامين: "فبعضها يستخدم في القيام بالأعمال الضرورية للمحافظة على الحياة وتكاثر النوع، وهذه هي الوظائف الفطرية الغريزية..".

"وأي طاقة تزيد عن حاجة الغرائز، يمكن استخدامها في النشاطات الثقافية والروحية..".

والواقع أنّ الولوع بالعمل والتركيز عليه ينفس عن الكثير من العواطف والغرائز الفطرية.. وما أكثر المبدعين الذين ينسون، في غمرة عملهم الخلاق، الحاجات الحياتية كالطعام والشراب..

بين العبقري والأبله:

يروى عن نيوتن أنّه حين كان يندمج بالفكرة التي يعالجها، ينسى ما حوله ومن حوله. وقد دعا مرّة بعض الأصدقاء لمشاركته في أكلة دجاج. وفي غمرة تفكيره المركز داخل مختبره، جاء الأصدقاء وانتظروه طويلاً، فلمّا لم يخرج إليهم غادروا البيت بعد أن أكلوا الدجاجات وما معها، ولم يبقوا شيئاً.. أما نيوتن فقد أحس بعد حين بالجوع، وخرج إلى غرفة الطعام فرأى المائدة وعليها العظام، فعاد إلى المختبر وهو يكلّم نفسه قائلاً: يظهر أنني أكلت ونسيت!.

هذه القصة، وأمثالها، قد لا تحدث للإنسان العادي، لأنّه يوجّه حواسه نحو كلّ شيء بلا تمييز.. ولكنه بهذا الأسلوب يبدد نشاطه فلا يستوعب كلّ شيء. يمّر أمام عينيه الكثير من صور الحياة فلا يميّز ولا يركّز، ولا يلتقط إلا القليل التافه. وبذلك يصبح بطيء الفهم ثمّ بليداً.. لهذا تضمحل خبراته وتتضاءل.

لذا فأنت تراه "كالأبله الذي يندفع بكلِّ ما لديه من طاقة وراء قطعة من الملابس، أو اللهو، بالاندفاع نفسه الذي يتجه به المفكر نحو النجاح المهني والعمل الخلاق..".

قابلية الاختيار:

إنّ هذا المسكين الأبله لا يحسن اختيار الغايات حسب أهميتها.. وهذه الغايات الحياتية كثيراً ما تكون أخطر من قضية تمييز بين قطعة لباس وقطعة فن..

إنّ مرد فشل كثير من أعمال المرء يعود إلى تصرفه الأحمق، إذا لم يحسن اختيار المهم، فيركز عليه بما لديه من طاقة.. ومن عادات الناجحين أنهم يحسنون الاختيار.. فبالمران والممارسة، وبمرور الزمن يحصلون على خبرات تؤهلهم لاختيار الأهم من الغايات، وتثبت فيهم عادة التركيز على ذلك الأهم..

فقابلية الاختيار عادة مكتسبة تثبت في شخصية الفرد كما تثبت عادة التركيز.. ولكن الآباء والأُمّهات يقفون حجر عثرة أمام مثل هذه العادات.. إنّهم يحدّثون من تثبيتها في عدم إعطاء الطفل الفرصة ليفكر ويعبر بأسلوبه الخاص.. فإذا سأله أحد عن اسمه لم يعطوه الوقت الكافي للإجابة، بل تراهم سبقوه بإعطاء اسمه، وهكذا يتبرعون بالجواب نيابة عنه في كلِّ مناسبة، ويحلون له كلّ مشكلة يواجهها.

نصيحة شيفر:

العبقرية – وهي درجة عالية من النجاح – لا تتهيأ إلّا بالتركيز.. بالإضافة إلى عوامل أخرى يوضحها شيفر بقوله: إنّ العبقري هو شخص يلزم أن تتوفر لديه الفرصة المواتية، والاندفاع الذي يتصف بالحماسة المتناهية، والانفراد بالغاية المقصودة، وأخيراً القدرة على بذل الجهود..

فمن يرغب أن يكون عبقرياً، ينصحه البروفسور شيفر، بكلِّ بساطة، أن يحصل على الأربع الوصفات التي مرّ ذكرها، وبصورة مجتمعة.. والقضية سهلة.. فكلّ واحد منا يملك هذه الوصفات بين الحين والحين، ولكنها لا تأتينا مجتمعة. فقد تتهيأ لنا الفرصة، فنندفع مؤمنين بأنّ كلَّ من جدّ وجد.. ولكننا بعد كلّ ذلك، لا نجد شيئاً، إما لعدم وجود القدرة على بذل الجهود، أو لأنّ الغاية المقصودة قد طارت..

فلا عجب إذاً أن يعترض البعض من العلماء على المؤمنين بـ(كلّ من جد وجد)، فقد ثبت علمياً "أنّ النجاح في الحياة لا يعتمد على الجد وحده..".. لأنّ الجد، أو بذل الجهود، يحتاج، على الأقل، إلى ثلاثة عوامل أخرى.

هذه هي العدة التي يلزم أن تتهيأ في شخصية الفرد لكي تكون عاملاً من عوامل النجاح. وبدون هذه العدة، يكون المتطلب للنجاح، وكأنّه ساع إلى الحرب بغير سلاح..

كيف يركّزون:

هنالك من يعتقدون بأنّ التركيز يحصل من شل الحواس الواعية.. لذا يلجأون إلى المسكرات والمخدرات يغرقون بها حواسهم، لأنّهم، مثل وليم جيمس، يعتبرون أنّ في الكحول "قدرة على إثارة القابليات وشل الديدان الماصة للحيوية".. وبذلك يفسح في المجال للدفء الحقيقي أن يتراكم فيشكّل نوعاً من الخزان الباطني.. وهذا تركيز للنشاطات..!.

يشبّه كولن ولسن هذا التركيز الباطني بما يحصل لدى القديسين، ولكنه يعود فيميز تركيز القديسين والعباقرة بأنّه يحصل نتيجة السيطرة المتعمدة على الطاقات الحيوية، لا نتيجة شل الحواس.. لأنّ الشيء الذي يبدد الطاقات ويخنق حيويتها، ليس الحواس وإنما العواطف الحاقدة والحاسدة، والصراعات النفسية، والأهواء غير البناءة، فيعمدون على خنقها في أنفسهم..

ولابدّ أنّ القارئ له رأي في الفرق بين التركيز الحاصل من شل الحواس، والتركيز الذي يحصل من السيطرة على الطاقات وتوجيهها حسب الإرادة والمشيئة..

صحيح أنّ الكحول يغطي على كثير ما يبدد الحيويات، من آلام ومتاعب ومخاوف، ولكنه في الوقت نفسه يحرر الإنسان بصورة لانظامية، ويفتح الأبواب إلى أهواء وعواطف غير خلاقة، هي نفسها تساعد على تبديد الحيويات.. فكم من أمنية لم تتحقق كانت دفينة فانطلقت الحسرات من أجلها.. وكم من حرمان تجدد البكاء من أجله.. وكم من مشكلة كان النسيان أحسن حل لها، وقد ظهرت بعد شل الجهاز العصبي فهدمت ملذات الفرد وهناءته..►

 

طباعة