الثلاثاء 2 جمادى الثانية 1441 | 28 كانون2/يناير 2020

محطات تنموية

أثر وسائل الإعلام في اللغة العربية .

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 
أثر وسائل الإعلام في اللغة العربية .

http://t3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRmz8AZjGVXl2eGLpteRAxwPWf0aXHe77g9BWtat3cCP59Fdp-rJg
موقع المستشار - عبد الرحمن هاشم .

قراءة في كتاب للدكتور جابر قميحة .
" أثر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في اللغة العربية (1) " واحد من أهم كتب الشاعر والمفكر الأديب الدكتور جابر قميحة ، وهو كما نرى من العنوان كتاب بسيط ، لكنه عميق الفكر والمعاني .
وأريد هنا أن أتوقف أمام عدة ملاحظات تستحق مزيدا من التأمل والدراسة سجلها الكاتب في مقدمة كتابه :

أولا : اللغة العربية ليست كيانا جامدا لا حياة فيه ، وإنما هي أشبه ما يكون بالكائن الحي الذي ينمو ويتطور ، كما يكون عرضة في أوقات الضعف والانكسار للوهن والمرض ، وقد يصاب بالشيخوخة وقد يدخل في طور الاحتضار أو حتى الموت ولكنها في كل الأحوال : سرائها وضرائها ومنشطها ومكرهها لم تفقد هويتها ، ولم تذو شخصيتها ويرجع ذلك لسببين :

الأول : ارتباطها الوثيق بالقرآن الكريم ، فهي وعاؤه العظيم الكريم ، وهي أداؤه التعبيري المعجز ، وهي لغة العبادات والذكر ، فارتباط الناس بالعربية لا يمثل مجرد ارتباط بلغة ، ولكن يزيد على ذلك بأنه ارتباط بدين قيم ، ومثل عليا.
والثاني : طبيعتها الذاتية ، وكثرة مفرداتها ، والروافد التي تغذيها وتجدد نسيجها مثل القياس والاشتقاق والنحت والاقتراض والالتصاق والمجاز مما ينفي عنها تهمة التحجر والعجز وضيق المدى.

ثانيا : اللغة العربية مرآة ، وما كان للغة أن تحتفظ بعافيتها ورونقها وكرامتها في مجتمع تصدعت أركانه وتدهورت منظومة قيمه وأجهضت أحلامه واحدا تلو الآخر بل واستبيحت كرامته في مجالات عدة . ذلك أن اعوجاج اللسان هو علامة على اعوجاج الحال كما قال ابن حزم بحق ، إذ حين عم الشعور بالهزيمة الحضارية ، لم يكن مستغربا أن تنتهك الكثير من مواطن العفة وركائز الهوية في المجتمع ، ولم يكن مفاجئا أن تسري الهزيمة في أوصال اللغة المستخدمة ، فيهجرها البعض وتتكسر على ألسنة البعض الآخر ، وتهان في مختلف منابر التعبير.

ثالثا : وسائل الإعلام لها أشد الأثر في رفع مستوى اللغة العربية أو تخريبها والإساءة إليها.
ثم تطرق الدكتور جابر قميحة للمؤامرات التي حيكت بليل للقضاء على اللغة العربية ومحاولة تخريبها وهدمها وذلك عبر الدعوة إلى :

ـ إحلال الحروف اللاتينية محل الحروف العربية.

ـ إحلال العامية أو العاميات محل العربية الفصحى.

ـ تمصير اللغة العربية ( دعوة لطفى السيد ).

ـ القضاء على النحو العربي وإلغاء حركات الإعراب وتسكين أواخر الكلمات.
فقام بتفنيد كل هذه الدعاوي الساقطة مؤكدا أنها ماتت في مهدها ولم يكتب لها البقاء :

ـ لأنها دعاوى كان وراءها نوايا خبيثة ، إذ كان هدفها القضاء على العربية لا نشرها ولا إنمائها ولا تيسيرها كما زعم هؤلاء.

ـ ولأنها دعاوى غير مدروسة ، ولم تقم على أساس سليم متين ، بل اعتمدت على أكاذيب وأباطيل لا تتفق مع الواقع ، ولا مع الحد الأدنى من العقل والعلم.

ـ ولأن طبيعة اللغة العربية معنويا وبنيويا وقاعديا لا تتفق مع طبيعة هذه الدعاوى ، فليس من اللازم أن يكون الصالح للغة ما كان صالحا لغيرها من اللغات.
واعترف الدكتور جابر بأن وجود هذه الأصوات المنكرة المنكودة لا يلغي وجود أصوات إصلاحية وراءها رصيد عظيم من العلم وطيب النوايا ، مثل الذي عرضه الأستاذ محمود تيمور وإبراهيم مصطفى وشوقي ضيف من اجتهادات لتيسير عرض العربية وإنمائها ونشرها على أوسع نطاق.

غير أننا من حقنا أن نسأل : وما علاقة ذلك بموضوع البحث " وسائل الإعلام وأثرها في اللغة العربية "؟

هنا يؤكد الدكتور قميحة أن العلاقة جد وثيقة :

ـ فمن البدهي أن نتعرف على طبيعة " المتأثر " وقيمته وأصالته حتى نستطيع أن نعرف مدى قابليته لتأثيرات " المؤثر " وتوجيهاته.

ـ ولأن الصحافة ـ وهي أقدم وسائل الإعلام ـ هي التي كانت تعرض الدعوات والدعاوى والآراء التي تمثل ـ في أغلبها ـ سهاما موجهة للغة العربية .
وبذلك يكون البحث ـ وقد خاض هذا المخاض ـ في دائرة الموضوع سائرا ، بل في جوهره ولبه مستقيما .
ولم يفت الباحث الإشارة إلى ما حققته وسائل الإعلام من إيجابيات في التعامل مع اللغة العربية وأنها تكاد تتلخص فيما يأتي :

ـ المباشرية ، والوصول إلى أفكار الموضوع وصولا مباشرا دون التوقف عند نتوءات فكرية فرعية ، ويظهر ذلك بصفة خاصة في نشرات الأخبار والتعليق عليها. ـ السهولة والوضوح ، فلم تعد تستخدم الغريب أو المهجور أو المُمات من ألفاظ اللغة وتصدق هذه الخصيصة على البرامج الفكرية ، وبرامج التوعية الدينية ، وتقديم الكتب التراثية وتحليلها.
ـ التخفف من الأثقال اللغوية والخيالية ، إلى حد التخلص التام أحيانا من الصور البيانية ، فأحلت التعبيرات المباشرة السهلة محل العبارات المجازية.
ـ استطاعت لغة الإعلام التقريب بين اللهجات المحلية ، واللهجة الأم : لهجة القاهرة ، وهي أسهل اللهجات فهما بالنسبة لشعوب المنطقة العربية فضلا عن المصريين في شتى بقاع مصر ، كما أنها أقرب اللهجات المصرية إلى لغة الإعلام.

ـ أمدت وسائل الإعلام ، وخصوصا ، اللغة العربية بكثير من الألفاظ والعبارات والتراكيب الجديدة المولدة ، وكثير منها مترجم عن اللسان الأجنبي.
على أن وسائل الإعلام لم تكن دائما خيرا وبركة على اللغة العربية ، فهي إذا كانت قد قدمت نفعا للغة العربية فإنها ـ كما يقول الدكتور قميحة في كتابه ـ تسببت في الوقت نفسه في تأثيرات ضارة كانت أفدح وأعتى :


ـ فالتليفزيون يصرف الأطفال والناشئة عن القراءة وعن أوجه نشاط أخرى مفيدة.

ـ والإعلانات ـ وخصوصا التلفازي منها ـ كانت انتصارا للعاميات ، وترويجا للغات الأجنبية ، ونشرا للنطق المعيب لكلمات العربية وإفسادا للذوق الفني والحس اللغوي .
وقد حققت الإعلانات ذلك في سرعة عجيبة لأنها تعرض بأسلوب فني فتان ، موظفة ـ بإمكاناتها الضخمة ـ أحدث الوسائل التي تحقق جمال العرض وبراعته ، فأصبح الأطفال ـ بخاصة ـ متعلقين بها إلى أقصى مدى.

ـ وفي الإعلانات الصحفية أصبحت الأخطاء اللغوية والقاعدية هي الأصل ، أما سلامة اللغة فهي الاستثناء . زيادة على أن كثيرا منها يكون مطعما بالقوالب والكلمات الأجنبية بحروف لاتينية ، أو حروف عربية.

ـ ويأتي بعد ذلك ما أسماه المؤلف " بأخطاء الكبار " في الإذاعة والتلفاز خاصة . وخطأ " الكبير " من الساسة والمفكرين والكتاب أشد خطرا من أخطاء " العاديين " لأن الآخرين يتلقفونه ويستخدمونه مطمئنين إلى " صحته وسلامته " لأنه صدر من " كبير مشهور " .
ـ كما تبنت هذه الوسائل ، وما تزال تتبنى الأخطاء الفادحة في المفردات وفي الجمل والتراكيب والحوار والمناقشات والأخطاء في مخارج الحروف ونطق كلمات العربية بلكنة عامية أو أجنبية .

وفي ختام بحثه أجاب الدكتور قميحة عن السؤال الكبير الذي يثور الآن وهو : أين المخرج ؟ كيف يتأتى للعربية الفصحى أن تكون أداة لنهوضنا وتقدمنا ، حتى تتبوأ أمة العرب مكانا عليا بين سائر الأمم ؟

ففي رأيه أن الإجابة عن هذا السؤال رهن بقدرتنا على تحويل اللغة العربية إلى مادة جذابة يحبها أبناؤنا ويقبلون على دراستها وتذوق ما تزخر به من مواطن الجمال ، ثم على جعلها تمتزج بنفوسنا وتعيش فينا ومعنا وتلبي متطلبات العصر وتواكبه ، بحيث لا نشعر إزاءها بغربة أو انفصام عن واقعنا المعاش .
ويتطلب ذلك في رأى الكاتب وتقديره التحرك بصدق وإخلاص في الاتجاهات التالية :


ـ بذل أقصى جهد ممكن لضمان أن يتحدث أهل التربية والإعلام والسياسة بالعربية الفصحى ، ذلك أن اللغة العربية لا تكاد تصافح آذاننا إلا في النادر . وأي لغة تتوقف في إجادة استعمالها على الممارسة والاعتياد ، وهذا أمر بدهي.

ـ التأكيد المستمر على أن التعليم رسالة وليس مهنة أو حرفة ، فلا يتصور أن يحب التلميذ اللغة العربية إلا إذا كان من يدرسون له يحبون ويعشقون اللغة العربية ويتحدثون بها.

ـ تقديم برامج للأطفال باللغة العربية السليمة من خلال الإعلام المسموع والمرئي.

ـ الاجتهاد في مهمة تجديدها وربط مفرداتها بكل ما يطل برأسه من مستحدثات ومخترعات وابتكارات ومعارف جديدة

ـ يجب ألا يشغل وظيفة إعلامي ـ ونعني به الصحفي والمذيع في الراديو والتلفاز ـ إلا من كان جديرا بهذا العمل ، وذلك باجتيازه امتحانات جادة تبين عن شخصيته وقدراته.

ـ إصدار معجم إعلامي شامل : يضم الأعلام العربية والأعجمية ، والألفاظ والعبارات التي يحتاج إليها الإعلامي أكثر من غيرها . وكذلك الأخطاء التي تشيع بين الإعلاميين ، مع بيان علة الخطأ وصورة الصواب.

ـ مراقبة الإعلانات مراقبة جادة ، وعدم السماح بعرضها إلا إذا كانت بالعربية الفصحى ، ملتزمة بعدم الخروج عن ديننا ، وقيمنا الروحية والأخلاقية.

ـ تطوير البرامج التعليمية المقدمة من التلفاز ، بصفة خاصة ، وبعدها عن النمطية المملة.

ـ الاهتمام بالملاحق الأدبية في الصحف ، وتخصيص مساحة منها لنصوص تراثية ودروس نحوية ، وعرض الأخطاء الشائعة ، ويكون ذلك بصفة دائمة ثابتة.

ـ تطوير المجلات والصحف الدينية لتستوفي العناصر الجمالية الفنية في الإخراج ، حتى ترتفع نسبة توزيعها ونسبة إفادتها.

ـ تطوير برامج محو الأمية التي تعرض في التلفاز بخاصة ، وتعميمها على مستوى الوطن العربي ، بصورة عصرية جذابة.

ـ نشر طروحات المجمع اللغوي على أوسع نطاق حتى لا تبقى هذه الطروحات حبيسة الكتب والمجلات المتخصصة التي لا يسمع بها إلا الأقلون . وعلى وسائل الإعلام أن تتلقف كل جديد يصدره المجمع من ألفاظ الحضارة وتقدمه للناس بصورة دائمة منتظمة .

ـ يجب تصدير اللغة العربية لدول العالم الثالث ، وخصوصا الدول التي ترتفع فيها نسبة المسلمين ، ويكون ذلك عن طريق برامج تعليمية مخطط لها بدقة ، تذاع عبر الراديو والقنوات الفضائية.

ـ أن يكون من بين لجان المجلس الأعلى للصحافة من يتابع ما تنشره الصحف من لغة مبتذلة ولهجات عامية تسيء للذوق العام ، سواء في المواد التحريرية أو الإعلانية ، لتحاسب وتؤدب من يخرج عن الفصحى أو اللغة السليمة ، وأن تتبنى القيادات الصحفية احترام الفصحى والتمسك بها باعتبار ذلك من آداب المهنة أو شرائطها.
ـ أن يكون هناك على مستوى الدول العربية كلها " هيئات الرقابة اللغوية " مهمتها الأصلية رصد استشراء العامية والسوقية واللغة المبتذلة في الفضائيات العربية وتوقيع العقوبات المناسبة على من يخالف منها.

ـــــــــــــــــــــــ

(1) من إصدارات نادي المدينة المنورة الأدبي ـ الكتاب رقم 105 ،

مؤسسة المدينة للصحافة ( دار العلم ) بجدة ط 1418هـ .

طباعة